فلسطين
سياسة

من الحكم العسكري إلى هندسة الاقتلاع الصامت: كيف يُعاد تشكيل الوجود العربي في الداخل؟

شبكة قدس٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٣:٠٤ م0 مشاهدة
من الحكم العسكري إلى هندسة الاقتلاع الصامت: كيف يُعاد تشكيل الوجود العربي في الداخل؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بين يهودية الدولة وإنكار النكبة: هندسة الاقتلاع الصامت للوجود العربي في الداخل" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تحليل معمق يكشف كيف تحوّل الحكم العسكري الإسرائيلي الذي فُرض على فلسطينيي الداخل بعد عام 1966 إلى أدوات مدنية وأمنية متطورة، تهدف إلى هندسة الاقتلاع الصامت للعرب، وصولًا إلى سياسات الاعتراف بيهودية الدولة وإنكار النكبة. يوضح خالد زبارقة في مقاله أن هذه السياسات لم تنتهِ بانتهاء الحكم العسكري، بل تطورت لترتدي أثوابًا مدنية وقانونية جديدة، مع الحفاظ على جوهر السيطرة والإخضاع والهندسة الأمنية الشاملة.

تاريخيًا، لم يكن الحكم العسكري مجرد حالة طارئة، بل كان المختبر الأول لصياغة آليات الضبط الاستراتيجي، من خلال تقييد التصاريح، وتسييج البلدات، وتجميع السكان في جيوب ضيقة، ومصادرة الأراضي تحت غطاء القوانين الأمنية. هذا العقل الأمني لم يغب، بل تجلى في محطات مختلفة، وخرج بصيغ جديدة لكن بنفس الأهداف.

في "هبة الكرامة" عام 2021، تجلى تفعيل البنية الأمنية بنسخة حديثة شملت الاعتقالات الجماعية، والملاحقات الرقمية، وإقحام جهاز "الشاباك" في الشارع العربي، وعسكرة الحياة اليومية، وربط سبل العيش بالرضا الأمني. وتصاعدت هذه السياسات بشكل أكبر بعد أحداث السابع من أكتوبر، لتتخذ طابعًا أكثر انكشافًا وتصعيدًا، مما يعكس تحولًا في أدوات "الاقتلاع الصامت" التي تُصمم للسيطرة على الوجود العربي في الداخل.

لفهم جذور هذه السياسات واستمراريتها، يجب الغوص في المنطلقات الفكرية العميقة التي تتقاطع فيها الأيديولوجيا الصهيونية مع المخيال الديني والتلمودي. وفق هذه العقيدة، يُنظر إلى الفلسطيني الباقي كـ"حارس مؤقت" على أرضه، يحرسها نيابة عن المشروع الاستيطاني إلى حين استعادتها. ومن هذا المنظور، فإن استعادة الأرض والتخلص من هذا الوجود لا يتعدى قرارًا سياسيًا وأدوات تنفيذية تُعرف بـ"القانون"، كما يتضح من أمثلة الهدم والترحيل ومصادرة الأراضي في النقب.

إن سياسة المقايضة والاعتراف بيهودية الدولة وإنكار النكبة ليست مجرد شعارات، بل هي أدوات هندسية دقيقة لخلق بيئة قابلة لسياسات الاقتلاع الكبرى. عندما يُدفع الفلسطيني نحو التساوق مع الرواية الرسمية، فإن الغاية هي كسر مناعته النفسية والوطنية، وتجريده من شرعية وجوده التاريخي، لتهيئة الرأي العام المحلي والعالمي لتقبل أي خطوة استثنائية قادمة، مثل الترانسفير الصامت أو المصادرة الشاملة أو الهندسة الديموغرافية القسرية، باعتبارها "تصحيحًا تاريخيًا" لا جريمة تطهير عرقي.

هذا المسار التمهيدي ينذر بتداعيات كارثية على مستقبل الوجود العربي، تشمل خنق الفضاء الجغرافي وتحويل البلدات إلى كانتونات معزولة، وتصدّع النسيج المجتمعي عبر تغذية ظاهرة الجريمة المنظمة، وتعقيد الاغتراب ودفع الشباب نحو الهجرة الصامتة. أمام هذه الحقائق، يسقط الوهم السياسي الذي يربط بين تبدل الحكومات الإسرائيلية وأي تغيير استراتيجي في التعامل مع العرب، فالهدف الاستراتيجي للمشروع الصهيوني ثابت، وما يتبدل هو شكل الأدوات.

لحماية الوجود العربي ومستقبل الأجيال، يقع على عاتق المجتمع، وخاصة القيادة السياسية، واجب إسقاط بيئة الاستسلام ورفض منطق "الحراسة المؤقتة". يجب أن تتحول حماية الذاكرة وتدريس رواية البقاء والنكبة إلى فعل تربوي وثقافي يومي. إن الإنسان المرابط الذي يرفض أن يكون "حارسًا مؤقتًا" لجلّاده، ويصر على كونه مالكًا لجذوره وهويته، هو وحده القادر على إسقاط الرهانات الهادفة إلى شطبه، والبقاء بكرامة.

شارك الخبر: