فلسطين
سياسة

الانتخابات الفلسطينية: بوابة للخروج من سنوات النار والرماد نحو مستقبل موحد

شبكة قدس١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٤:٢٤ ص0 مشاهدة
الانتخابات الفلسطينية: بوابة للخروج من سنوات النار والرماد نحو مستقبل موحد

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الانتخابات وسنوات النار والرماد" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

عاش الشعب الفلسطيني على مدار عقدين من الزمن سنواتٍ ثقيلة من الانقسام السياسي والجغرافي، لم تجلب له سوى المعاناة وعذابات الإقصاء والتفرد والهيمنة. ولم تسلم المؤسسات الوطنية والخدماتية، من الصحة والتعليم، من آثار هذه الحالة المدمرة، بل تحولت إلى ساحات نفوذ تتنازعها أطراف الانقسام وجماعات المصالح، مما أدى إلى نمو شبكات المستفيدين وتجار الأزمات الذين استغلوا معاناة الشعب وأسواقه المنهكة. واتسعت دوائر الفقر والبطالة، ليصبح المواطن هو الحلقة الأضعف والأكثر دفعاً لكلفة الانقسام.

لم تكن هذه السنوات مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحولت إلى أزمة بنيوية في النظام السياسي الفلسطيني، أثرت على وحدة القرار الوطني، وأضعفت المؤسسات، وعمقت الانقسام المجتمعي، وأنتجت واقعاً من الاستقطاب والثأر السياسي والحسابات الشخصية، على حساب القضية الوطنية ومصالح الشعب.

لقد كان ما جرى بعد انتخابات عام 2006 نتيجة لتداخل عوامل داخلية وخارجية، ولم يكن الشعب الفلسطيني مسؤولاً عن الانقسام الذي أعقب خياره الديمقراطي. فبعد ممارسة حقه في اختيار ممثليه، وجد نفسه أمام مسار سياسي وأمني متدحرج، غذّته التدخلات والاشتراطات الخارجية، وعمّقته حسابات أطراف الانقسام وجماعات المصالح، رغم كل المبادرات الوطنية والحوارات والجهود المبذولة لإنهاء هذه الحالة.

في عام 2006، كانت البيئة الفلسطينية أقل تعقيداً مما هي عليه اليوم. كانت انتفاضة الأقصى في أوج حضورها، والانسحاب "الإسرائيلي" من غزة قد جرى تحت ضربات المقاومة، والحوارات الوطنية قد فتحت نافذة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني. أما اليوم، فنحن أمام واقع أكثر قسوة وخطورة، تتداخل فيه حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة، والإرهاب الاستيطاني في الضفة، وتهويد القدس، ومخططات الضم والاقتلاع والتهجير، مع أزمة سياسية داخلية عميقة.

من هنا، فإن الذهاب إلى الانتخابات اليوم يجب أن يتجاوز كونه استحقاقاً إجرائياً أو منافسة على المقاعد، ليصبح مدخلاً سياسياً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، واستعادة حق الشعب في صناعة قراره، واختيار ممثليه، وتحديد مستقبله بإرادته الحرة. فالاستحقاق الديمقراطي حق أصيل، لكنه في هذه المرحلة ينبغي أن يكون جزءاً من مسار وطني أشمل يهدف إلى إنهاء حالة التفرد والانقسام، وإعادة الاعتبار للشراكة الوطنية والتعددية السياسية، ودمقرطة المؤسسات، وتجديد الشرعيات على قاعدة الإرادة الشعبية، بما يحفظ وحدة التمثيل والكيانية الوطنية الفلسطينية.

الانتخابات لا يمكن أن تكون غاية بحد ذاتها، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الواقع القائم أو تكريس الانقسام. إن قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على إحداث التغيير، ووقف النزيف الداخلي، وفتح الطريق أمام نظام سياسي فلسطيني جديد يقوم على الشراكة والتعددية، ويحتكم إلى المؤسسات والقانون والديمقراطية، ويحمي الحياة السياسية من الإقصاء والهيمنة ومنطق موازين القوى.

من هذا المنطلق، انطلقت الجبهة الشعبية في قرارها بالمشاركة في الانتخابات من رؤية وطنية متكاملة وواضحة، عبّر عنها نائب الأمين العام الرفيق جميل مزهر. وتستند هذه الرؤية إلى أن تضحيات الشعب الفلسطيني وصموده في غزة والضفة والقدس والشتات هي المرجعية الأخلاقية والسياسية لأي حوار وطني، وأن المطلوب من القوى السياسية كافة الارتقاء إلى مستوى هذه التضحيات، بعيداً عن الحسابات الضيقة والبحث عن المواقع أو الحصص.

كما تؤكد الرؤية أن قوة كل مكونات الحركة الوطنية هي قوة للمشروع الوطني، وأن وحدة حركة فتح واستعادة دورها الوطني تمثل مصلحة وطنية، وأن تعزيز دور أي فصيل وطني ينبغي أن يتم في إطار النظام السياسي التعددي والشراكة الوطنية الحقيقية، دون الإضرار بالفصائل الأخرى.

تؤكد الجبهة أن المطلوب اليوم هو الانتقال من إدارة الانقسام إلى إنهائه، ومن إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، وذلك عبر تحويل اللقاءات الفلسطينية من لقاءات موسمية إلى مسار حواري وطني منتظم يفضي إلى نتائج واضحة وآليات تنفيذية ملزمة. وترى الجبهة أن المرحلة المقبلة تتطلب حوارات ثنائية بين القوى الفلسطينية، تتطور إلى حوار وطني شامل وجاد، يشارك فيه الجميع دون إقصاء، وصولاً إلى بلورة رؤية سياسية وبرنامج وطني مشترك، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أساس الشراكة والديمقراطية.

يجب أن يتناول هذا الحوار جوهر القضية الوطنية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، وحق الشعب في المقاومة وتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وضمان حق اللاجئين في العودة، وتحديد استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة الاحتلال ومخططاته. كما ينبغي أن يتناول طبيعة المرحلة الانتقالية، وأشكال المقاومة المناسبة، وكيفية إدارة الصراع، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل مؤسساتها، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية.

لذلك، فإن الدعوة إلى اجتماع للأمناء العامين للفصائل والقوى السياسية تمثل حاجة وطنية ملحة لبحث القضايا السياسية والأمنية، واستراتيجية المقاومة، وإدارة الصراع، وقواعد الشراكة الوطنية، ووضع الأسس التي تحول دون العودة إلى دوامة الانقسام والصراع الداخلي.

الشعب الفلسطيني الذي دفع أثماناً هائلة خلال سنوات الانقسام، ولا يزال يدفع أثماناً أكبر في مواجهة الاحتلال وحرب الإبادة، لا يحتمل إعادة إنتاج الماضي بأدوات جديدة. والعاقل من يتعلم من تجاربه، والشعوب الحية هي التي تحول مآسيها إلى دروس وقواعد للمستقبل.

يمكن أن تشكل الانتخابات المقبلة فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة في الحياة السياسية الفلسطينية، واستعادة ثقة المواطن بمؤسساته، وإعادة بناء النظام السياسي على معالجة أزمات الماضي، وبناء مستقبل سياسي أكثر استقراراً ووحدة. المطلوب هو انتخابات تجرى في بيئة وطنية ومجتمعية سليمة، بضمانات سياسية وقانونية، وبمشاركة الجميع، وبما يكفل حرية الترشح والانتخاب والتعبير، ويحفظ نزاهة العملية الانتخابية، ويمنع الإقصاء السياسي واستخدام مؤسسات الدولة لمصلحة طرف على حساب آخر.

تجديد الشرعيات لا يرتبط بصندوق الاقتراع وحده، بل يتصل بالبيئة السياسية والوطنية التي تسبق الانتخابات، وبالمسار الذي تفتح عليه نتائجها. ومن هنا، فإن تجديد الشرعيات يرتبط بإعادة بناء الشرعية الوطنية، وتوحيد المؤسسات، واستعادة وحدة الأرض والشعب والقرار، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع، على قاعدة الإصلاح والتفعيل والشراكة الديمقراطية.

لقد آن الأوان ليتحول حق الشعب في الانتخاب من مجرد إجراء دستوري إلى مدخل لاستعادة المواطن لدوره، واستعادة المؤسسات لدورها، واستعادة النظام السياسي لوظيفته الوطنية. فالانتخابات التي نريدها معركة من أجل التغيير واستعادة إرادة الشعب؛ تفتح الطريق للخروج من الانقسام، وتعيد القرار إلى المواطن، وتضع حداً لاحتكار السلطة والتفرد، وتؤسس لمرحلة سياسية جديدة تقوم على الشراكة والتعددية والديمقراطية، وتعيد بناء النظام السياسي على أساس وطني جامع يليق بتضحيات الشعب ويستجيب لطموحاته.

في ظل حرب الإبادة والهجمة الاستيطانية ومخططات الضم والتهجير، تصبح الوحدة الوطنية والشراكة السياسية أكثر من أي وقت مضى شرطاً من شروط الصمود والمواجهة. والمعركة الحقيقية تتجاوز عدد المقاعد والمواقع، لتتعلق بصورة النظام السياسي الذي نريده، والوطن الذي نسعى إلى بنائه، والمستقبل الذي نريد أن نصنعه لأجيال شعبنا القادمة.

شعب قدم كل هذه التضحيات يستحق نظاماً سياسياً يليق بصموده، ومؤسسات تحمي حقوقه، وقيادة تستمد شرعيتها من إرادته، وحركة وطنية تتسع للجميع ولا تستثني أحداً.

ختاماً، آن الأوان أن تتحول الانتخابات إلى نقطة انطلاق للخروج من سنوات النار والرماد، وفتح الطريق أمام بناء نظام سياسي فلسطيني ديمقراطي وتعددي وتشاركي، يحمي القرار الوطني، ويوحد طاقات الشعب، ويعيد الاعتبار لإرادته ودوره في مواجهة الاحتلال حتى تحقيق أهدافه الوطنية المشروعة.

شارك الخبر: