عملية العرابيد في غزة: معركة أمنية تتحول إلى صراع وعي وإرادة


هذا الخبر بعنوان "اختطاف العرابيد.. حين تتحول العملية الأمنية إلى معركة الوعي والإرادة | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ليست كل العمليات الأمنية متماثلة؛ فبعضها يقتصر على تحقيق هدفه المباشر، بينما يتجاوز البعض الآخر ليصبح رسالة متعددة الأبعاد سياسية وأمنية ونفسية. ويبدو أن ما جرى في منزل معين العرابيد يندرج ضمن النوع الثاني، حيث كانت العملية ذات طبيعة استخبارية معقدة، لم يهدف منها مجرد توقيف رجل أمني، بل اختبار منظومة أمنية وحماية وقدرة على المناورة، ثم تحويل النتيجة إلى مادة للاستهلاك السياسي والإعلامي.
من الناحية الأمنية البحتة، تشير العملية إلى أن الاحتلال تعامل مع العرابيد كهدف استخباري ذي قيمة عالية، وليس مجرد شخصية ميدانية. وقد تم توظيف عمل استخباري سابق لتحديد موقعه، وتنفيذ عملية خاصة داخل منطقة مأهولة، مع توفير غطاء عسكري للقوة المنفذة. تكمن النقطة الأولى في قراءة هذه العملية في أن الاحتلال لم يعتمد على القوة النارية وحدها، بل جمعت العملية بين الاستخبار المسبق، والقوة الخاصة، والغطاء العسكري، والسيطرة على مسرح العملية. هذه التركيبة تنتمي إلى عقيدة أمنية تقوم على تحويل التفوق الاستخباري إلى قدرة تنفيذية سريعة، بحيث تصبح المعلومة سلاحًا يسبق السلاح.
لكن العملية كشفت، من وجه آخر، عن جانب مختلف تمامًا. فالمكان الذي اختير لتنفيذها لم يكن ثكنة عسكرية أو موقعًا قتاليًا ظاهرًا، بل منزلًا كانت العائلة تستعد فيه لمناسبة إنسانية، وهي عقد قران الابن عبيدة. وفجأة، تحولت لحظة الفرح إلى اشتباك، وتحول البيت من مساحة عائلية إلى مسرح مواجهة. هنا تبدأ الحكاية التي تتجاوز الأمن إلى الإنسان.
كان معين العرابيد يؤدي عملًا أمنيًا مرتبطًا بحفظ الأمن الداخلي، بينما كانت أسرته تستعد لفرح عائلي. ثم وجدت الأسرة نفسها أمام قوة خاصة تقتحم المكان. وتقول الروايات الفلسطينية إن العرابيد واجه القوة واشتبك معها قبل إصابته، في حين استشهدت زوجته وأصيب عدد من أبنائه. في هذه اللحظة الإنسانية، يصبح الأمن أكثر من مجرد معادلات استخبارية؛ إنه سؤال عن معنى البيت حين يتحول إلى ساحة صراع، وعن معنى الأسرة حين تجد نفسها في قلب عملية تستهدف أحد أفرادها. فالزوجة التي كانت تستعد لزفاف ابنها وجدت نفسها في مواجهة قوة مسلحة، والأبناء الذين كان يفترض أن يعيشوا لحظة فرح وجدوا أنفسهم أمام مشهد من الدم والإصابة والاختطاف.
من الزاوية الاستخبارية، فإن اختيار الاعتقال بدلًا من الاغتيال يحمل دلالة مهمة. فالهدف الحي بالنسبة لأجهزة الأمن ليس مجرد شخص تم إخراجه من الميدان، بل هو مصدر محتمل للمعلومات. ولهذا، فإن نجاح العملية من المنظور الإسرائيلي لا يقاس فقط بالوصول إلى الهدف، بل بما يمكن أن تنتجه العملية لاحقًا من قيمة استخبارية. لكن العمليات الخاصة لا تقاس بالوصول إلى الهدف وحده، بل كذلك بحجم المخاطر السياسية والأمنية والإنسانية التي تتركها خلفها. فكل عملية داخل بيئة مأهولة تحمل احتمالات تصعيدية، وكل ضحية تتحول إلى عنصر في معركة الرواية.
من هنا، يمكن فهم العملية كجزء من حرب أوسع على المؤسسة الأمنية في غزة. فاستهداف القيادات والكوادر الأمنية لا يعني فقط إضعاف أفراد محددين، بل يمكن أن يستهدف قدرة المنظومة على فرض الأمن ومنع الفوضى وإدارة المجتمع. وفي المقابل، فإن المحافظة على تماسك المؤسسات الأمنية تصبح جزءًا من معركة الصمود نفسها. من هذه الزاوية، كان الهدف الأمني المباشر شخصًا، لكن الرسالة المحتملة أوسع: إثبات القدرة على اختراق العمق وإرباك البيئة الأمنية، وتوجيه رسالة إلى بقية المنظومة بأن التفوق الاستخباري الإسرائيلي ما زال قادرًا على الوصول إلى أهداف نوعية حتى داخل بيئات شديدة التعقيد.
من المنظور العملياتي البحت، فإن اكتشاف القوة الخاصة والتصدي لها وإفشال عنصر المفاجأة وإيقاع خسائر في صفوفها يمثل انتكاسة تكتيكية للجانب الإسرائيلي، مهما انتهت العملية باعتقال الهدف. فالقوات الخاصة تبني جزءًا أساسيًا من فعاليتها على السرية والمفاجأة والسيطرة على زمام المبادرة. وحين تُكتشف القوة قبل إتمام مهمتها وتدخل في اشتباك مباشر وتسقط منها عناصر، فإن أحد أهم مقومات العملية يتعرض للانهيار. ولذلك، فإن اعتقال الهدف لا يلغي حقيقة أن القوة المنفذة دفعت كلفة أمنية وعملياتية، وأن الطرف المقابل نجح في تحويل عملية صيد استخباري إلى مواجهة مكلفة.
غير أن الأمن لا يعيش في الفراغ. فالاحتلال يستطيع اقتحام منزل واعتقال رجل، لكنه لا يستطيع بالقوة وحدها أن يحدد كيف ستتذكر عائلة فلسطينية ذلك اليوم. وهنا تبدأ معركة أخرى: معركة الذاكرة والرواية. في الرواية الإسرائيلية، قد تُقدم العملية كإنجاز استخباري نوعي. وفي الرواية الفلسطينية، تظهر صورة أخرى: رجل أمني واجه قوة خاصة ببسالة وشجاعة، وزوجة وقفت إلى جانبه، وأبناء وجدوا أنفسهم أمام مأساة لم يختاروها. ولعل المفارقة الأشد أن البيت كان يستعد لصناعة ذكرى فرح، فإذا بالاقتحام يصنع ذكرى أخرى؛ كان ينتظر زفافًا، فإذا به يستقبل الشهادة والإصابة والاختطاف. وفي هذه المفارقة تختصر غزة كلها: حياة تحاول أن تستمر تحت حرب لا تريد لها أن تستمر.
إن صمود العرابيد وأسرته لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مشهدًا عاطفيًا فقط، بل كتعبير عن إرادة اجتماعية في مواجهة سياسة الإخضاع الأمني. فالعملية، مهما كان تقييمها عسكريًا وأمنيًا، لا تنتهي لحظة خروج القوة من غزة. فالاعتقال انتهى ميدانيًا، لكن معناه السياسي والنفسي بدأ. إسرائيل تريد أن تثبت أنها تستطيع الوصول إلى الرجل داخل بيته، بينما تقول عائلة العرابيد بصمودها وتماسكها إن اقتحام البيت لا يعني اقتحام الوعي. وقد تنجح القوة الخاصة في اختراق الجدار، وقد تنجح الاستخبارات في تحديد الهدف، وقد تنجح العملية في إخراج رجل من ميدانه، لكن الاختبار الحقيقي يبقى في قدرة الاحتلال على كسر إرادة مجتمع كامل. وفي هذا الاختبار تحديدًا، لا تكفي القوة، لأن السيطرة على المكان قد تتحقق بالقوة، أما السيطرة على الوعي فتحتاج إلى شيء آخر لا تمتلكه القوة وحدها، وهو أن يقبل المجتمع بالرواية التي يُراد فرضها عليه. فإذا كان الاحتلال قد استطاع اقتحام البيت، فإن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: هل استطاع اقتحام الوعي؟ والجواب لن تحدده البيانات العسكرية ولا صور القوة الخاصة، بل ستحدده الذاكرة الفلسطينية نفسها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة