المجلس الوطني الفلسطيني: جدل حول التعيين والهيمنة في ظل غياب التوافق والانتخابات الشاملة


هذا الخبر بعنوان "بلا توافق ولا اقتراع شامل.. المجلس الوطني في مسار لإعادة إنتاج التعيين والهيمنة؟ - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يثير انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني عبر ما يُعرف بـ"المجاميع الانتخابية" جدلاً سياسياً واسعاً، في ظل غياب التوافق الوطني والانتخابات المباشرة في عدد من ساحات الشتات. ويتزامن هذا مع تصاعد التسريبات التي تشير إلى نية رئيس السلطة محمود عباس تأجيل الانتخابات التشريعية، التي يُعتبر أعضاؤها تلقائياً جزءاً من المجلس الوطني، مما يعني فعلياً إعادة الهيمنة على المجلسين الوطني والتشريعي.
في حين تسوق حركة فتح الأمر على أنه آلية متاحة وخيار قانوني في الدول التي يتعذر فيها الاقتراع المباشر، ترى فصائل وقوى فلسطينية أن اعتماد التعيين والمجاميع الانتخابية يضعف التمثيل الشعبي ويعمّق أزمة الشرعية داخل النظام السياسي الفلسطيني.
تتقدم عملية إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني في الخارج وسط خلافات متصاعدة حول طريقة اختيار الأعضاء، بعدما اتجهت القيادة الفلسطينية إلى اعتماد "المجاميع الانتخابية" في عدد من الساحات بدلًا من تنظيم انتخابات مباشرة تشمل الفلسطينيين في الشتات. وبحسب المعطيات، بدأت عملية اختيار ممثلي الجاليات الفلسطينية في عدد من الدول، منها قطر والبحرين والكويت، فيما بقيت آليات اختيار الأعضاء في ساحات أخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، قيد البحث.
وتضع هذه الآلية المجلس الوطني أمام سؤال أساسي يتعلق بمصدر شرعية أعضائه: هل تأتي من مشاركة الفلسطينيين في اختيار ممثليهم، أم من ترتيبات تجريها قيادة منظمة التحرير والفصائل المنضوية فيها؟
تستند حركة فتح في دفاعها عن المسار الحالي إلى تعديلات تشريعية صدرت بين عامي 2013 و2021، وتقول إنها تتيح استخدام "المجاميع الانتخابية" في الساحات الخارجية التي يتعذر فيها إجراء الاقتراع المباشر. ويرى المتحدث باسم الحركة إياد أبو زنيط أن العملية تجري عبر لجنة عليا تضم فصائل منظمة التحرير، وأن المضي في الإجراءات أفضل من إبقاء المؤسسات الوطنية في حالة جمود.
لكن القوى والفصائل الفلسطينية تعتبر أن المجاميع الانتخابية قد تتحول إلى بديل عن الانتخابات بدل أن تكون حلًا استثنائيًا تفرضه الظروف، خصوصًا عندما لا يشارك جمهور الجالية بصورة مباشرة في اختيار ممثليه. وتفتقر هذه الآلية إلى الأسس الدستورية، ويمكن أن تتحول إلى "تعيين مقنّع"، وأن إصلاح منظمة التحرير يرتبط بإجراء انتخابات شاملة.
تبدو الساحة الفلسطينية في الولايات المتحدة إحدى أكثر الحالات دلالة على التعقيدات التي تواجه عملية تشكيل المجلس الوطني. فقد أغلقت مكاتب بعثة منظمة التحرير في واشنطن عام 2018، ومنذ ذلك الوقت تواجه المنظمة صعوبة في تنظيم فعاليات رسمية باسمها داخل الولايات المتحدة. وفي ظل هذه الظروف، تدرس قيادة المنظمة آليات اختيار أعضاء المجلس الوطني عن الساحة الأمريكية بعيدًا عن انتخابات علنية.
وتشير المعلومات الواردة إلى إبقاء على الأعضاء الحاليين وسد الشواغر، أو تعيين أعضاء جدد من قيادة المنظمة في رام الله، بعد تلقي طلبات من الراغبين في العضوية. كما تحدثت مصادر فلسطينية من الولايات المتحدة عن حصة تقارب 20 عضوًا للساحة الأمريكية، فيما بدأت جهات مرتبطة بمنظمة التحرير بإرسال أسماء مرشحين للعضوية.
وتكشف هذه الحالة جوهر الخلاف: فغياب الانتخابات المباشرة لا يؤدي تلقائيًا إلى التوافق على بديل ديمقراطي، بل يفتح الباب أمام ترتيبات مركزية تحدد من يختار الأعضاء وكيفية توزيع المقاعد. وكانت حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وتيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح والجبهة الشعبية - القيادة العامة والمبادرة الوطنية ولجان المقاومة الشعبية قد أعلنت رفضها لإجراءات التعيين، معتبرة أنها لا تعكس شراكة وطنية حقيقية ولا تضمن تمثيلًا شاملًا للفلسطينيين.
ويرى مدير مركز "مسارات" هاني المصري أن المشكلة تتجاوز طريقة اختيار الأعضاء، معتبرًا أن تشكيل المجلس بعيدًا عن التوافق الوطني قد يؤدي إلى تعميق الانقسام الفلسطيني. ويشير إلى أن أحد أبرز جوانب الخلاف يرتبط بتجاوز مسار سياسي سابق كان يستهدف إدماج حركتي حماس والجهاد الإسلامي في منظمة التحرير. ومن هذه الزاوية، فإن إعادة تشكيل المجلس الوطني لا تبدو عملية إدارية منفصلة عن الخلاف السياسي الفلسطيني، بل جزءًا من معركة أوسع حول شكل النظام السياسي ومستقبل منظمة التحرير وموقع القوى غير المنضوية فيها داخل مؤسسات القرار الوطني.
لم يقتصر الاعتراض على الفصائل، إذ عبّر اتحاد الجاليات والمؤسسات الفلسطينية في أوروبا والاتحاد الفلسطيني في أمريكا اللاتينية عن قلقهما من إجراءات إعادة تشكيل المجلس الوطني. وشدد التكتلان على أن الفلسطينيين في الشتات جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، وأن تمثيلهم لا ينبغي اختزاله في حصص أو تعيينات لا تستند إلى تفويض حقيقي من الجاليات والمؤسسات.
وطالبا بإطار تحضيري وطني جامع يضم القوى السياسية والجاليات والمؤسسات المجتمعية والشخصيات المستقلة، لوضع قواعد واضحة للتمثيل وتوزيع المقاعد وآليات الترشيح والانتخاب والإشراف والمراجعة. كما دعوا إلى ضمان حضور النساء والشباب والقوى السياسية والمجتمعية والمستقلين ضمن عملية إعادة بناء منظمة التحرير.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن النظام الانتخابي الجديد حدد عدد أعضاء المجلس الوطني بـ350 عضوًا، منهم 200 عن الأراضي الفلسطينية و150 عن الشتات، مع موعد مقرر للانتخابات في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2026. وفي المناطق التي يتعذر فيها الاقتراع المباشر، يسمح النظام بآليات تشمل المجمع الانتخابي أو التوافق وفق شروطه. وفي المقابل، يكشف الجدل المتصاعد بين حركة فتح ومؤسسات فلسطينية في الخارج عن خلاف جوهري حول آليات تمثيل الشتات، ومعايير اختيار المجاميع الانتخابية، ومدى قدرة العملية على إنتاج تمثيل يحظى بقبول سياسي وشعبي واسع.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة