من آسيا إلى أوروبا.. هل تواجه إسرائيل شبح العزلة الكروية مجدداً؟


هذا الخبر بعنوان "من آسيا إلى أوروبا.. هل تقترب إسرائيل من عزلة كروية جديدة؟ - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد مشاركة إسرائيل في منافسات كرة القدم الدولية تحظى بالهدوء المعهود في السنوات الماضية؛ فبعد عقود طويلة على انتقالها الكروي من آسيا إلى أوروبا، عادت قضية حضورها الرياضي لتتصدر واجهة الأحداث والنقاشات. ويأتي ذلك وسط موجة متصاعدة من الاحتجاجات الجماهيرية ومواقف حادة لعدد من اللاعبين والاتحادات الرياضية، وذلك على خلفية الحرب الدائرة في قطاع غزة وما صاحبها من اتهامات وانتهاكات أحدثت صدى واسعاً.
وفي الوقت الذي أسفرت فيه حملة المقاطعة الآسيوية خلال سبعينيات القرن الماضي عن إقصاء إسرائيل نهائياً من الاتحاد القاري، تأخذ التحركات الحالية مساراً مغايراً؛ إذ لم تُصدر الهيئات الأوروبية حتى الآن قراراً مشابهاً يقضي بإنهاء عضويتها. ورغم ذلك، تتكشف مؤشرات الاحتجاج بوضوح داخل الملاعب وخارجها، لتطرح تساؤلات أعمق تتجاوز مجرد نتائج المباريات أو مواقف الفرق، مفادها: هل تنجح الضغوط المتفرقة في التحول إلى مقاطعة رياضية منظمة؟
أيرلندا.. من الاحتجاج الشعبي إلى المطالبة الرسمية بالتعليق
شكلت المباراتان اللتان جمعتا منتخبي أيرلندا وإسرائيل ضمن منافسات دوري الأمم الأوروبية في شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2026، نموذجاً جلياً لحجم التوتر المحيط بهذه اللقاءات. فقد جرت المواجهتان في ظروف استثنائية خلف أبواب مغلقة وعلى ملاعب محايدة، تخللتها اعتراضات واسعة ودعوات علنية لمقاطعة اللعب. وفي السياق ذاته، ارتدى لاعبو أيرلندا شارات سوداء كرسالة تضامن مع ضحايا غزة، كما امتنع اللاعبون عن إجراء المصافحة التقليدية قبيل انطلاق مباراة الإياب في صربيا.
ولم تقتصر تلك الضغوط على الجماهير واللاعبين فحسب، بل امتدت لتشمل المؤسسات الرسمية؛ ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، صوت أعضاء الجمعية العامة للاتحاد الأيرلندي لكرة القدم لصالح رفع طلب رسمي إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، يطالبون فيه بتعليق مشاركة الاتحاد الإسرائيلي. استند هذا الطلب إلى اتهامات تتعلق بالإخفاق في تطبيق سياسات مكافحة العنصرية ومشاركة أندية إسرائيلية في مستوطنات واقعة بالضفة الغربية المحتلة دون الحصول على موافقة الاتحاد الفلسطيني.
وعلى الرغم من ذلك، اتخذ الاتحاد الأيرلندي قراراً بالمضي قدماً وخوض المباراتين، مبرراً ذلك بالعواقب الوמה المترتبة على الانسحاب، والتي قد تشمل اعتبار الفريق خاسراً وفرض عقوبات تأدبية محتملة. ووضعت هذه الأحداث المؤسسات الرياضية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة التفاعلات المعقدة بين الالتزامات التنظيمية والمطالب السياسية والحقوقية المتصاعدة.
من شوارع إسبانيا إلى الملاعب الأوروبية
ولم تقتصر مظاهر الاحتجاج على الساحات الكروية الدولية، بل برزت في رياضات أخرى؛ فخلال سباق «فويلتا إسبانيا» للدراجات لعام 2025، أدت الاحتجاجات الداعمة لفلسطين إلى تعطيل بعض مراحل السباق. ودفع ذلك فريق «إسرائيل–بريمير تك» إلى سحبة اسمه كاملاً عن قمصان دراجيه طوال ما تبقى من المنافسات، سعياً لتخفيف حدة ظهوره وسط هذه الأجواء المشحونة. وأبرزت تلك الوقائع قدرة الاحتجاجات الشعبية على تجاوز المدرجات لتقتحم مسارات المنافسة الرياضية ذاتها.
ومع ذلك، فإن اتساع نطاق الاحتجاجات لا يعني بالضرورة ترجمتها الفورية إلى مقاطعة رسمية؛ فهناك فارق جوري بين غضب جماهيري، أو موقف لفرد، أو قرار يصدر عن اتحاد وطني، وصولاً إلى القرار المؤسسي الحاسم الذي تتخذه هيئة قارية أو دولية بتعليق العضوية أو الاستبعاد. ولا يزال هذا الانتقال من الحراك الشعبي إلى القرار المؤسسي يمثل عقبة كبرى، نظراً لتباين الحسابات السياسية والرياضية والقانونية للاتحادات.
وفي هذا السياق، يُصار أحياناً إلى عقد مقارنة مع الحالة الروسية، حيث أقدم الاتحادان الدولي والأوروبي لكرة القدم على تعليق مشاركة المنتخبات والأندية الروسية إثر اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022. إلا أن المتابع الشأن الرياضي يدرك أن لكل أزمة سياقها ومعاييرها الخاصة، وأن اتخاذ قرار مماثل يستوجب إرادة مؤسسية من الجهات الناظمة، بغض النظر عن مدى التشابه في حجم الاحتجاجات.
تجربة آسيا.. محطة تاريخية بلا ضمانات للتكرار
تظل التجربة الآسيوية الأبرز في تاريخ العزلة الرياضية لإسرائيل؛ ففي عام 1974، جرى تجميد مشاركتها في بطولات الاتحاد الآسيوي وأنشطته، وتكللت تلك الجهود بالطرد الرسمي من مظلة الاتحاد خلال اجتماعات كوالالمبور عام 1976 بإجماع الحاضرين. وجاء هذا القرار ثمرة مخاض سياسي ورياضي طويل تداخلت فيه حسابات الاتحادات العربية والآسيوية مع موازين التصويت داخل الهيئة القارية آنذاك.
ورغم استدعاء هذه التجربة التاريخية باستمرار، فإن إسقاطها على الواقع الحالي ليس أمراً حتمياً. فظروف الاتحاد الآسيوي في سبعينيات القرن الماضي اتيحت لها معطيات خاصة سمحت بتعديل اللوائح ثم إسقاط العضوية، بينما تخوض إسرائيل منافساتها اليوم تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، حيث تغيب المؤشرات المؤدية حالياً إلى قرار مماثل. ومع ذلك، تؤكد هذه المقارنة أن مبدأ العزلة الرياضية ليس درباً من المستحيل، شريطة توافر عوامل تساهم في صناعتها؛ تبدأ ببناء تحالفات فاعلة داخل الهيئات الرياضية، مروراً بضغوط مستمرة ومسارات قانونية دقيقة، وصولاً إلى قرار مؤسسي صلب.
وعليه، يبقى الرهان قائماً حول ما إذا كانت هذه التحركات ستقتصر على كونها احتجاجات عابرة ومباريات تقام خلف أبواب مغلقة، أم أنها ستتبلور تدريجياً لتصبح مساراً مؤسسياً منظماً يعيد تشكيل طبيعة العلاقة بين إسرائيل وكرة القدم الدولية.
سياسة
سياسة
رياضة
سياسة