السابع من أكتوبر: هل هو تحول استراتيجي لإسرائيل أم مجرد رد فعل على صدمة؟


هذا الخبر بعنوان "سلوك (إسرائيل) الأمني.. استراتيجية أمنية جديدة أم صدمة استراتيجية؟ | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن يوم السابع من أكتوبر مجرد حدث أمني عابر في تاريخ "إسرائيل"، بل كان اليوم الذي انكشف فيه أن ما اعتقدته عقيدة أمنية راسخة لم يكن سوى وهم. على الرغم من مرور ثلاث سنوات على ممارسات "إسرائيل" العسكرية في جبهات متعددة، والتي فسّرها البعض كاستراتيجية أمنية جديدة، إلا أنني أرى أنها لا تزال تعاني من آثار الصدمة وتصف هذا التخبط بالاستراتيجية.
لقد ارتكزت العقيدة الأمنية الإسرائيلية، منذ أيام بن غوريون، على أربعة محاور أساسية: الردع، والإنذار المبكر، والحسم السريع، ونقل المعركة إلى أرض العدو. لكن في غضون ساعات قليلة، انهارت هذه الأعمدة الأربعة دفعة واحدة. لقد ثبت أن الردع لا يوقف خصمًا مستعدًا لدفع الثمن، وأن أقوى أجهزة الاستخبارات في المنطقة وقعت في فخ اعتقادها بأن حركة حماس مردوعة. لم يكن الخطأ في جمع المعلومات بقدر ما كان في فهم عقلية الخصم.
ثم جاءت الحرب لتُدمر ما تبقى. فبعد ما يقرب من عامين من القتال، لم يتحقق الحسم الموعود، وانفتحت جبهات متعددة امتدت من غزة إلى لبنان واليمن والعراق وإيران. أما التكنولوجيا التي بنت عليها "إسرائيل" شعورها بالتفوق، فقد عطلتها وسائل بسيطة ومنخفضة التكلفة.
كان رد الفعل الإسرائيلي يتمثل في الانتقال من سياسة "جز العشب" إلى محاولة الاجتثاث، ومن الرد على التهديدات إلى الضرب الاستباقي قبل تشكلها، ومن الدفاع خلف السياج إلى فرض مناطق عازلة تتسع مع تزايد مخاوفها، ومن مواجهة الخصوم بشكل منفصل إلى مواجهتهم دفعة واحدة.
قد يبدو كل هذا، من منظور خارجي، كعقيدة جديدة متماسكة. إلا أن الاستراتيجية الحقيقية تبدأ بتحديد الأهداف بوضوح، ثم تقييم الإمكانات المتاحة، وأخيرًا حساب التكاليف المترتبة. لكن ما نشهده هو سلوك عدواني لا يتناسب مع القدرات العسكرية الإسرائيلية، ولا مع مساحتها الجغرافية الضيقة، ولا مع عمقها البشري المحدود. فدولة صغيرة تقاتل على جبهات متعددة بجيش احتياط يستنزف اقتصادها ومجتمعها لا يمكن اعتبارها تمارس استراتيجية، بل هي تُدار بمنطق الخوف من الضربة القادمة. وكلما اتسعت المساحات التي تعتبرها ضرورية لأمنها، اتسعت الجبهات التي يتعين عليها ضبطها، وارتفعت التكاليف، وتباعدت عن الأمن الذي تسعى إليه.
هنا يتجلى التناقض الأكبر؛ تتحدث "إسرائيل" عن الاعتماد على الذات وعن حرية القرار دون انتظار إذن من أحد، لكنها تخوض حربًا مفتوحة لا تستطيع مواصلتها دون الدعم الأمريكي بالسلاح والمال والغطاء السياسي. ويتفاقم هذا التناقض عندما يتعلق الأمر بإيران، فالمواجهة معها تتجاوز قدرة "إسرائيل" وحدها، وتتطلب تدخل واشنطن في الاعتراض والإمداد والردع.
لا يمكن فهم هذا السلوك دون النظر إلى العقلية التي تحكمه، وهي عقلية استعلائية ترى في القوة حلاً لكل المشكلات، وتتعامل مع الأزمات المحيطة بها بمنظور أمني بحت. عندما تجتمع هذه العقلية مع آثار الصدمة التي تلقتها في أكتوبر 2023، نجد تخبطًا إسرائيليًا واضحًا، فهي تخشى تكرار السيناريو من مكان آخر، مما يدفعها للتشكيك في جميع الدول المحيطة بها.
ولعل الأثر الأعمق للسابع من أكتوبر ليس عسكريًا في جوهره. لقد وضع "إسرائيل" أمام سؤال ظنت أنها تجاوزته منذ عقود: هل هي كيان متجذر في المنطقة، أم مشروع طارئ عليها لا يقف على قدميه إلا بقوة السلاح المتفوق وغطاء دولي دائم؟ إن عزلتها المتزايدة، وتراجع صورتها في الرأي العام العالمي، وانقسامها الداخلي حول الحرب ومآلاتها، كلها شواهد على أن الأمن الذي تسعى إليه بالقوة المحضة يبتعد كلما اقتربت منه.
خلاصة القول، لم تبنِ "إسرائيل" استراتيجية أمنية جديدة بقدر ما وقعت في صدمة استراتيجية، وأصبحت تتصرف بمنطق هذه الصدمة. قد تحقق تفوقًا عملياتيًا هنا وهناك، لكنها لا تحقق أمنًا مستدامًا. والتاريخ يعلمنا أن القوة التي تتمدد بدافع الخوف تستهلك نفسها في النهاية، وأن من يحاول ضمان أمنه بإفناء كل احتمال للتهديد يصنع بيده الجولة التالية من الصراع.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة