فلسطين
منوعات

أم طارق عياد: صمود أسطوري في وجه الفقد، ترعى أيتام خمسة أحبة رحلوا

الرسالة١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠١:٤٨ م0 مشاهدة
أم طارق عياد: صمود أسطوري في وجه الفقد، ترعى أيتام خمسة أحبة رحلوا

تنويه

هذا الخبر بعنوان "خمسة أحبة رحلوا من قلب أم طارق عياد.. وبقيت لترعى أيتامهم - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في غزة، تعرف تكن سلام عياد، المعروفة بـ«أم طارق»، معنى الفقد المتكرر، وكيف تحفظ وجوه أحبائها في ذاكرتها بعد رحيلهم. لقد وجدت نفسها أماً لأيتام أبنائها، وناجيةً تحمل في صدرها جراحاً عميقة. لم تكن تتخيل أن الحياة ستنتزع منها والدها، ثم ابنها، ثم زوجها، ثم ثلاثة من أبنائها، وأن البيت الذي احتضن عائلتها سيتحول إلى ركام، بينما تبقى هي لتكون السند لما تبقى من العائلة، ولتحتضن الأطفال الذين تركهم الراحلون.

منذ عام 2004، أصبح الموت جزءاً لا يتجزأ من حياة أم طارق. في ذلك العام، استشهد والدها الحاج مصطفى صرصور في غارة إسرائيلية استهدفت الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة حماس، حيث كان والدها مقرباً منه. لم يمضِ سوى أربعين يوماً حتى فقدت ابنها محمد أيضاً، ولم تكن قد استوعبت بعد خسارة والدها قبل أن تُفتح جراح جديدة.

لم تتوقف الحكاية عند هذا الحد؛ فبعد خمسة عشر عاماً من الحياة المشتركة مع زوجها حاتم عياد، المعروف بأبي طارق، استشهد في قصف إسرائيلي أواخر عام 2008. بقيت سلام أمام مسؤولية الأبناء، تحاول أن تكون لهم الأم والأب معاً، وأن تحفظ في قلوبهم صورة أبيهم، بينما تستمر الحياة في مدينة لا يغيب عنها شبح الموت.

كبر الأبناء، لكن الفقد لم يترك العائلة. استشهد ابنها طارق خلال مسيرات العودة، تاركاً طفلاً يتيماً. انتقلت أم طارق من حزن الأم على ابنها إلى مسؤولية الجدة التي تحاول تعويض حفيدها عن أب لن يعود، وتمنحه الحنان ليخفف عنه قسوة اليتم. وفي حرب الإبادة على غزة، استشهد ابنها رائد، تاركاً طفلين صغيرين، ليجدا نفسيهما أمام حياة غاب عنها الأب، بينما وجدت أم طارق نفسها مطالبة بأن تكون لهما سنداً، رغم حاجتها لمن يسندها.

أصبحت ترى في وجوه أحفادها ملامح أبنائها الغائبين، وتمنحهم من قلبها المثقل ما استطاعت من الرعاية والاحتواء. ثم استشهد ابنها مصطفى، ليرحل عنها ثلاثة أبناء: طارق، رائد، ومصطفى. ثلاثة أسماء لم تعد تناديها فتجيبها أصواتهم، وثلاثة مستقبلات انقطعت قبل أن تكتمل. لم تفقد أم طارق أبناءها فحسب، بل فقدت أيضاً تفاصيل يومية لا تعوضها الكلمات، وأحلاماً كانت تنتظر أن تراها تتحقق في حياتهم.

الأم التي تفقد ابناً تحتاج إلى من يربت على كتفها، فكيف إذا توالت الخسارات، وأصبح أحفادها أيتاماً ينتظرون منها أن تكون لهم العائلة والأمان؟ لم يمنحها الحزن وقتاً كافياً لتبكي الراحلين، إذ ظلت مسؤولية الأطفال تردّها إلى الحياة، وتضع بين يديها واجباً جديداً في كل مرة. ولم تنتهِ الخسارات عند هذا الحد؛ فقدت أم طارق والدتها، ثم والد زوجها، وشقيقها محمود، لتتسع دائرة الغياب من حولها، ويصبح الحزن جزءاً من تفاصيل حياتها.

لا تستطيع الكلمات أن تحصي ما يعنيه أن تفقد الأم أباها وزوجها وأبناءها، وأن تواصل الوقوف بينما يتكئ عليها أطفال فقدوا آباءهم. لكن أم طارق، وسط هذا الركام من الغياب، بقيت حاضنةً لأيتام أبنائها، تحاول أن تمنحهم ما تبقى لديها من حب، وأن تحميهم من أن يبتلعهم الفقد كما ابتلع منها خمسة أحبة.

شارك الخبر: