استعادة الأوقاف وتعزيز الصمود: رؤية خالد زبارقة لنهضة الفلسطينيين في الداخل


هذا الخبر بعنوان "البناء الذاتي والوقف.. مقترحات لاستعادة المبادرة وتعزيز صمود الفلسطينيين في الداخل" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يطرح المحامي خالد زبارقة رؤية شاملة للنهضة والبناء الذاتي للفلسطينيين في الداخل، ترتكز على استعادة الأوقاف وتوظيفها في التنمية، ومواجهة الجريمة المنظمة، وبناء مؤسسات مدنية مستقلة. تهدف هذه المقترحات إلى تأسيس صندوق وقفي ومرجعية وطنية من خلال مؤتمر إنقاذ شامل، داعيةً إلى الانتقال من رد الفعل إلى استراتيجية المبادرة لتعزيز صمود المجتمع العربي الفلسطيني.
تُقترح الورقة إحياء مؤسسة الوقف كرافعة اقتصادية لمعالجة البطالة والتهميش وتعزيز الأمن المجتمعي. وتشمل المقترحات تأسيس شبكات للتكامل المجتمعي وبناء مرجعية وطنية مستقلة عبر مؤتمر إنقاذ وطني. كما تُطرح مواجهة الجريمة المنظمة وقروض السوق السوداء عبر صناديق وقفية وتعاونية وتطوير التحكيم الأهلي المؤسسي.
ينتقد زبارقة اختزال النهضة في المشاركة بالكنيست، ويدعو إلى بناء مؤسسات ذاتية من أسفل إلى أعلى، بما في ذلك مراكز أبحاث ومدارس أهلية. وتؤكد الأدبيات السوسيولوجية والسياسية على أن المجتمعات التي تتعرض لمخططات تهميش هيكلي، مثل المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، لا يمكنها ضمان بقائها بالاعتماد على سياسات «رد الفعل» أو الارتهان لمؤسسات السلطة الرسمية.
في السياق المعقد الذي يعيشه المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، تكتسب هذه القاعدة أبعادًا وجودية؛ إذ يواجه المجتمع تحديات تتجاوز التمييز السياسي لتشمل تفكيك بنيته الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية. ويحتّم هذا الواقع الانتقال الفوري من عقلية «الاحتجاج والمطالبة» إلى استراتيجية «المبادرة والبناء الذاتي والسيادة المدنية»، بما يعزز صمود المجتمع وثباته وتجذّره.
تطرح الورقة مقاربة لهندسة النهضة المجتمعية، تقوم على إحياء مؤسسة الوقف بوصفها رافعة اقتصادية، وتأسيس شبكات للتكامل المجتمعي، وصولًا إلى بناء مرجعية وطنية مستقلة من خلال مؤتمر إنقاذ وطني. يمثل الوقف الإسلامي ثورة أخلاقية واقتصادية تتجاوز مفهوم الإحسان العابر لتؤسس حصنًا مجتمعيًا متينًا.
على المستوى الاقتصادي، يوفر الوقف منظومة استباقية لتعزيز الأمن المجتمعي، تتيح الانتقال من التركيز الحصري على المصالح الشخصية والفردية إلى منظومة تعزز الحقوق الجماعية، وتوظّف الموارد لخدمة المجتمع ككل. وبمقدور الأوقاف الإسهام في معالجة أسباب الانحراف، وفي مقدمتها البطالة والتهميش، من خلال توجيه عوائدها نحو مشاريع إنتاجية وتشغيلية تستهدف الفئات المحتاجة.
ولا ينفصل هذا المسار الاقتصادي عن ساحة المواجهة الحقوقية؛ فالمعركة لاسترداد الأوقاف المصادرة، وتحديدًا تلك الخاضعة لسيطرة «حارس أملاك الغائبين» ودائرة أراضي إسرائيل، تتطلب عملًا قانونيًا دؤوبًا. وترتكز هذه المواجهة على قاعدة فقهية وقانونية راسخة، هي «شرط الواقف كنص الشارع». كما أن صياغة حجج وقفية حديثة للعقارات والأراضي، وتأسيس أوقاف إسكانية، تمثلان خطوتين أساسيتين لمنع تسرب الأملاك وحماية التركيبة الديموغرافية.
في موازاة ذلك، تواجه الجبهة الداخلية للمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل استنزافًا حادًا يتمثل في تغوّل الجريمة المنظمة وتفشي قروض السوق السوداء. وتقتضي مواجهة هذه الظاهرة اعتماد مسارين متكاملين: أولهما توفير بدائل تمويلية من خلال تفعيل صناديق وقفية وتعاونية تقدم قروضًا ميسّرة. أما المسار الثاني، فيتمثل في تطوير التحكيم الأهلي المؤسسي، من خلال تحويل لجان الإصلاح من إطارها العشائري التقليدي إلى مؤسسات تحكيم مدنية.
ومن أبرز العوائق التي كبّلت العقل السياسي في الداخل ظاهرة «تضييق الواسع»، إذ جرى اختزال مشروع النهوض الشامل في المشاركة في الكنيست والتمثيل البرلماني. فالكنيست ساحة اشتباك لتعطيل القوانين العنصرية وانتزاع الميزانيات، لكنه ليس مصنعًا للنهضة. إن النهضة الحقيقية تتطلب الانتقال إلى البناء المؤسسي الذاتي من أسفل إلى أعلى.
فتأسيس مراكز أبحاث استراتيجية، وبناء شبكة مدارس أهلية مستقلة، وتشكيل طواقم لتخطيط المدن والقرى العربية وتطويرها، هي أفعال حضارية تتجاوز في فاعليتها مئات الخطابات السياسية. وتمثل هذه المؤسسات حالة نهضوية متكاملة تحرر المجتمع من التبعية المطلقة لمنظومة التهميش وميزانياتها المشروطة.
ولا يمكن لأي مشروع نهضوي أن يحقق أهدافه في مجتمع تمزقه الانقسامات السياسية والنزعات العائلية. ويتطلب ذلك حوارًا جادًا وحقيقيًا، بعيدًا عن الارتهان للمنظومة الرسمية والحسابات الضيقة، بهدف الوصول إلى درجة عالية من الوحدة والتنسيق وتكامل الأدوار.
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع مؤسسي، لا بد من عقد «مؤتمر إنقاذ وطني شامل» يجمع الكفاءات والأكاديميين والحقوقيين ورجال الأعمال ورؤساء السلطات المحلية. ويهدف هذا المؤتمر إلى إعلان حالة طوارئ مدنية، وصياغة «عقد اجتماعي» أو «ميثاق وطني» ملزم، يرفع الغطاء الاجتماعي عن المتورطين في الجريمة المنظمة والسوق السوداء، ويؤسس لموقف مجتمعي واضح في مواجهة هذه الظواهر.
كما يتطلب إطلاق «الصندوق الوقفي الوطني» ليكون الذراع المالية المستقلة للمشروع، من خلال فتح باب الاكتتاب الجماهيري الدائم. ويشمل المشروع كذلك تشكيل «المرجعية العليا»، بوصفها قيادة مجتمعية تكنوقراطية تنبثق عنها مجالس تنفيذية متخصصة.
إن مسيرة النهضة في الداخل الفلسطيني هي قصة مجتمع يرفض الذوبان والارتهان لمعادلات الضعف. ومن خلال استعادة الأوقاف وحمايتها قانونيًا، وبناء المؤسسات المدنية، وإرساء التكامل المجتمعي تحت سقف مرجعية وطنية فاعلة، يمكن إعادة بناء حصن مجتمعي متماسك، يصنع أمنه واستقراره وصموده بإرادته الحرة وموارده المستقلة على أرضه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة