فلسطين
سياسة

عملية «الوهم المتبدد»: ملحمة القسام التي هزت أمن الاحتلال وأدت لصفقة تبادل تاريخية

شهاب١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٤ ص0 مشاهدة
عملية «الوهم المتبدد»: ملحمة القسام التي هزت أمن الاحتلال وأدت لصفقة تبادل تاريخية

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""الوهم المتبدد".. ملحمة قسّامية أربكت الاحتلال أمنيًا وعسكريًا وتفاوضيًا | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد 15 عامًا على صفقة «وفاء الأحرار»، تستعيد المقاومة الفلسطينية، وتحديدًا كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، ذكرى عملية «الوهم المتبدد» التي نفذت في 25 يونيو/حزيران 2006. في تلك العملية، تمكنت المقاومة، بمشاركة ألوية الناصر صلاح الدين وجيش الإسلام، من أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط من داخل دبابة عسكرية شرق محافظة رفح. لم تكن العملية مجرد أسر لجندي، بل بدأت رحلة استمرت لأكثر من خمس سنوات، احتفظت خلالها المقاومة بأسيرها في ظل محاولات الاحتلال اليائسة لاستعادته، لتتوج بصفقة تبادل تاريخية أفضت إلى تحرير 1027 أسيرًا وأسيرة فلسطينيين من سجون الاحتلال.

في الذكرى الخامسة عشرة لصفقة «وفاء الأحرار»، التي بدأت مرحلتها الأولى في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2011، تُبرز المقاومة الفلسطينية هذه المحطة البارزة في مواجهتها مع الاحتلال. فبعد سنوات من البحث والملاحقة والمفاوضات الشاقة، تم الإفراج عن مئات الأسرى، بينهم أصحاب أحكام بالمؤبد وأحكام عالية، مقابل جندي إسرائيلي واحد. لم يقتصر الإنجاز على نجاح عملية الأسر، بل امتد إلى القدرة على الاحتفاظ بشاليط طوال سنوات أسره، وإدارة ملفه التفاوضي ببراعة، في ظل محاولات الاحتلال المتواصلة للوصول إلى مكان احتجازه، ثم التفاوض على شروط الإفراج عنه. انتهى المطاف باتفاق لم تستعد فيه إسرائيل جنديها بالقوة، بل عبر صفقة تبادل شملت أكثر من ألف أسير فلسطيني.

فجر الخامس والعشرين من يونيو/حزيران 2006، نفذت المقاومة الفلسطينية عملية عسكرية مباغتة استهدفت موقعًا عسكريًا إسرائيليًا في منطقة كرم أبو سالم، قرب الحدود الشرقية لقطاع غزة، وأُطلق عليها اسم «الوهم المتبدد». استهدفت العملية قوة عسكرية إسرائيلية مدرعة، وتمكن المقاومون من التسلل إلى الموقع عبر نفق أرضي حفروه مسبقًا، قبل مهاجمة القوة من مسافة قريبة، في عملية تميزت بالمفاجأة وتعدد الأهداف. شارك في العملية مقاتلون من كتائب القسام وألوية الناصر صلاح الدين وجيش الإسلام، وتمكنوا من أسر الجندي جلعاد شاليط من داخل الدبابة التي كان فيها، ونقله إلى عمق قطاع غزة، رغم التحرك العسكري الإسرائيلي المكثف الذي أعقب الهجوم. أسفرت العملية، وفق رواية القسام، عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة آخرين، بينما شكل أسر شاليط ضربة قاسية للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي وجدت نفسها أمام جندي اختفى داخل قطاع غزة، دون أن تتمكن من استعادته رغم عمليات البحث والملاحقة المكثفة. تحولت القضية منذ الساعات الأولى إلى ملف أمني وسياسي بالغ الحساسية لدى الاحتلال، الذي سعى لمعرفة مكان احتجاز الجندي واستعادته، بينما تمسكت المقاومة بالاحتفاظ به وربط الإفراج عنه بتحرير الأسرى الفلسطينيين.

المقاومة تتمسك بشروطها

على مدار أكثر من خمس سنوات، بقي شاليط في مكان سري داخل قطاع غزة، بينما استمرت محاولات الاحتلال للوصول إليه، مستخدمًا أجهزته الاستخبارية وشبكات جمع المعلومات، إلى جانب الضغوط العسكرية على القطاع. لم تنجح الحرب الإسرائيلية على غزة أواخر عام 2008 ومطلع عام 2009 في استعادة الجندي، كما لم تتمكن محاولات البحث والتحري من إنهاء الملف بالشروط التي أرادها الاحتلال. في المقابل، حافظت المقاومة على سرية مكان احتجازه، وتمسكت بمطلب الإفراج عن أسرى فلسطينيين، خصوصًا أصحاب الأحكام العالية والمؤبدات، الذين شكلت قضاياهم محورًا رئيسيًا في المفاوضات. امتد التحدي أمام كتائب القسام من تنفيذ عملية الأسر إلى إدارة ملف طويل ومعقد، يتطلب حماية الأسير من محاولات الاستعادة، والحفاظ على سرية المعلومات المتعلقة بمكانه، في وقت كانت فيه حكومة الاحتلال تواجه ضغوطًا داخلية متزايدة لإنهاء القضية وإعادة الجندي إلى عائلته. وعلى الرغم من محاولات الاحتلال استخدام تفوقه العسكري والاستخباري للوصول إلى شاليط، انتهى المسار إلى مفاوضات غير مباشرة، تولى وسطاء عدة نقل المطالب بين الطرفين، فيما اضطلعت مصر بدور رئيسي في الوصول إلى اتفاق التبادل.

مفاوضات شاقة وصفقة تاريخية

في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2011، أعلن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس آنذاك خالد مشعل التوصل إلى اتفاق لتبادل الأسرى، بعد مفاوضات غير مباشرة استمرت سنوات، وتخللتها خلافات بشأن قوائم الأسرى وأسماء المطلوب الإفراج عنهم وشروط تنفيذ الصفقة. نص الاتفاق على الإفراج عن 1027 أسيرًا وأسيرة فلسطينيين على مرحلتين، مقابل إطلاق سراح شاليط، في صفقة شكلت محطة بارزة في تاريخ عمليات تبادل الأسرى مع الاحتلال. في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2011، نُفذت المرحلة الأولى، وأُفرج عن 477 أسيرًا وأسيرة، بينهم 450 أسيرًا و27 أسيرة، في مقابل تسليم شاليط إلى الوسيط المصري. شملت قائمة المرحلة الأولى أسرى من أصحاب الأحكام العالية، بينهم 315 أسيرًا محكومًا بالمؤبد، وفق الأرقام الواردة في المادة الأصلية المنشورة عن الصفقة، إلى جانب الأسيرات الفلسطينيات اللواتي شملهن الاتفاق، وبينهن خمس أسيرات محكومات بالمؤبد. أما المرحلة الثانية، فنُفذت في 18 ديسمبر/كانون الأول 2011، وشملت الإفراج عن 550 أسيرًا فلسطينيًا، ليكتمل العدد الإجمالي المتفق عليه، وهو 1027 أسيرًا وأسيرة. حرصت المقاومة على أن تشمل الصفقة أسرى ذوي أحكام عالية، وألا تقتصر على المعتقلين الذين أوشكت فترات محكومياتهم على الانتهاء، كما شملت أسرى من خلفيات وطنية وفصائلية متعددة. وبذلك، انتهت سنوات احتجاز شاليط باتفاق أعاد الحرية إلى أكثر من ألف أسير فلسطيني، بينهم أسرى أمضوا سنوات طويلة في السجون، وآخرون كانت أحكامهم تجعل فرص الإفراج عنهم عبر المسارات التقليدية محدودة.

تسليم شاليط وتتويج الصفقة

في صباح 18 أكتوبر/تشرين الأول 2011، دخل ملف شاليط مرحلته التنفيذية الأخيرة، مع بدء ترتيبات تسليمه إلى الوسيط المصري، بالتزامن مع الإفراج عن الدفعة الأولى من الأسرى الفلسطينيين. جرى التسليم ضمن ترتيبات أمنية محكمة، ظهر خلالها القائد الشهيد أحمد الجعبري، أحد أبرز قادة كتائب القسام، إلى جانب شاليط، قبل انتقال الجندي إلى الجانب المصري من معبر رفح تمهيدًا لتسليمه إلى الاحتلال. أظهرت عملية التسليم أن المقاومة لم تتعامل مع ملف الجندي باعتباره مجرد عملية أسر عسكرية، بل باعتباره ورقة تفاوضية حافظت عليها طوال سنوات، وصولًا إلى تنفيذ الاتفاق وفق ترتيبات تبادل متفق عليها. في المقابل، بدأت حافلات الأسرى المحررين الوصول إلى وجهاتها، وسط مشاهد استقبال واحتفاء في قطاع غزة ومناطق فلسطينية أخرى، بعد سنوات من الاعتقال والانتظار. كانت لحظة التسليم تتويجًا لمسار بدأ بعملية عسكرية مباغتة، واستمر عبر سنوات من الاحتجاز والمفاوضات، وانتهى بتحرير الدفعة الأولى من الأسرى، ثم استكمال العدد المتفق عليه في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.

«وحدة الظل» وسرية الاحتجاز

مثّل الحفاظ على شاليط داخل قطاع غزة طوال سنوات أسره أحد أبرز جوانب العملية، في ظل محاولات الاحتلال المستمرة الوصول إلى مكان احتجازه، والاستفادة من قدراته الاستخبارية وشبكات عملائه لكشف تفاصيل الملف. في يناير/كانون الثاني 2016، كشفت كتائب القسام عن «وحدة الظل»، الوحدة السرية المعنية بتأمين الأسرى الإسرائيليين وإخفائهم وحمايتهم من محاولات الوصول إليهم، وذلك في مادة مصورة تناولت جوانب من ملف شاليط. ألقى الكشف الضوء على جانب من منظومة السرية التي أحاطت بالجندي طوال فترة أسره، وعلى الدور الذي أدته حماية مكان الاحتجاز في إفشال محاولات الاحتلال استعادته. لم يكن نجاح المقاومة في هذا الملف منفصلًا عن العملية العسكرية الأولى؛ فالأسر الناجح لم يكن ليحقق أهدافه التفاوضية من دون القدرة على الاحتفاظ بالأسير، وحمايته، ومنع الاحتلال من الوصول إليه، ثم استثمار الملف في مفاوضات انتهت باتفاق تبادل. وهكذا، امتد إنجاز «الوهم المتبدد» من ساحة الاشتباك إلى سنوات الاحتجاز، وصولًا إلى المفاوضات التي أفضت إلى الإفراج عن 1027 أسيرًا وأسيرة.

صفقة وطنية شاملة

لم تقتصر صفقة «وفاء الأحرار» على أسرى حركة حماس، بل شملت أسرى من قوى وفصائل فلسطينية متعددة، في صفقة اتسعت جغرافيًا لتضم أسرى من قطاع غزة والضفة الغربية والقدس والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، إضافة إلى أسرى من الجولان السوري المحتل. أبرزت قوائم المحررين اتساع قضية الأسرى الفلسطينيين، ووجود آلاف العائلات التي تنتظر الإفراج عن أبنائها، كما أعادت إلى الواجهة ملف أصحاب الأحكام العالية والمؤبدات، الذين أمضى بعضهم سنوات طويلة خلف القضبان. بالنسبة إلى الأسرى وعائلاتهم، مثلت الصفقة تحولًا في مسار الانتظار الطويل؛ إذ عاد مئات المحررين إلى عائلاتهم في المرحلة الأولى، قبل أن تستكمل المرحلة الثانية الإفراج عن بقية الأسماء الواردة في الاتفاق. لم تكن قيمة الصفقة مرتبطة بعدد المحررين وحده، بل أيضًا بطبيعة الأسماء التي شملتها، وبقدرتها على تحرير أسرى كانت قضيتهم في صلب مطالب الحركة الأسيرة والمقاومة الفلسطينية. بعد خمسة عشر عامًا على تنفيذ صفقة «وفاء الأحرار»، لا تزال العملية محطة بارزة في تاريخ المقاومة الفلسطينية، بما جمعته من تخطيط عسكري، وسرية أمنية، وصمود أمام محاولات الاستعادة، وإدارة مفاوضات انتهت بتحرير 1027 أسيرًا وأسيرة.

شارك الخبر: