ثلاثون عامًا من البناء والتهجير: قصة عائلات سروج تحت تهديد الجرافات


هذا الخبر بعنوان "ثلاثون عامًا من التعب في مواجهة الجرافات.. حكاية التهجير من سروج" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خربة سروج غرب جنين، تتكرر فصول التهجير والمعاناة لعائلات فلسطينية أُجبرت على تفكيك ما بنته على مدى عقود، في مواجهة تهديد الجرافات واقتراب فصل الشتاء. عماد أبو الهيجاء وعائلات أخرى يواجهون مصيرًا مجهولًا بعد خسارة منازلهم ومصادر رزقهم.
يجبر الاحتلال عشر عائلات في خربة سروج على تفكيك منازلها وحظائرها بأيديهم تحت تهديد الجرافات. يعيش نحو خمسين شخصًا في الخربة التي تبلغ مساحتها ألف دونم، ويسكنون خمسة عشر منزلًا. تعود جذور سكان الخربة إلى قرية عين حوض في قضاء حيفا التي هُجّروا منها عام 1948 واستقروا في سروج عام 1950. يواجه السكان تشتيتًا في العراء ومستقبلًا مجهولًا مع اقتراب الشتاء وسط غياب التدخل الإنساني والدولي.
لم يكن عماد أبو الهيجاء يتخيل أن يأتي يوم يقف فيه أمام ما بناه بيديه، لا ليصلحه أو يوسّعه، بل ليفكّكه استعدادًا للرحيل. ثلاثون عامًا من العمل في خربة سروج غربي بلدة اليامون، غرب جنين، تتقلّص اليوم أمامه إلى حظائر تُهدم وممتلكات تُجمع، فيما يظل السؤال الأصعب معلّقًا: إلى أين يذهب بعد كل هذه السنوات؟
يقول عماد إن الاحتلال أجبرهم على الرحيل بذريعة إقامة مشاريع ومناطق صناعية وبؤر استيطانية، مضيفًا: «نحن الآن نعيش نكبة ثانية ونفكك شقاء ثلاثين عامًا بنيناه بأيدينا، لنواجه التشتيت في العراء ومستقبلًا مجهولًا مع اقتراب فصل الشتاء، وسط غياب تام لتدخل المؤسسات الإنسانية والدولية».
لم يكن عماد وحده أمام هذا المصير. فقد بدأت عشر عائلات في خربة سروج إخلاء منازلها وحظائر الأغنام والدواجن، بعدما أبلغتها قوات الاحتلال بضرورة المغادرة الفورية. وطُلب من الأهالي إرسال صور ومقاطع فيديو تثبت شروعهم في هدم منشآتهم بأنفسهم، تحت تهديد دخول الجرافات وتسوية الخربة بالأرض إذا لم يمتثلوا.
حكاية سروج لم تبدأ مع أوامر الإخلاء الأخيرة. جذورها أقدم من المنازل والحظائر التي يتركها السكان اليوم، وتمتد إلى قرية عين حوض في قضاء حيفا، التي هُجّرت منها عائلات الخربة قسرًا عام 1948. وبعد عامين، استقرت هذه العائلات في سروج، لتبدأ من جديد في مكان صار، مع مرور العقود، موطنًا لها. منذ عام 1950، بنت العائلات حياتها في الخربة، وأقامت مساكنها ومنشآتها، وتمسكت بالأرض التي ارتبط بها وجودها اليومي.
وبحسب منظمة «البيدر» للدفاع عن حقوق البدو، تبلغ مساحة الخربة نحو ألف دونم، ويعيش فيها قرابة خمسين شخصًا موزعين على خمسة عشر منزلًا. ويقول السكان إنهم يحتفظون بوثائق رسمية وكتب تفويض تعود إلى ستينيات القرن الماضي، تثبت حقوقهم في الأرض. غير أن هذه الوثائق لم تبدد مخاوفهم من الإخلاء، ولم تمنحهم اليقين بأنهم سيتمكنون من البقاء في المكان الذي استقروا فيه بعد تهجيرهم الأول.
تتكرر الحكاية بصورة موجعة: عائلات اقتُلعت من قريتها عام 1948، ثم صنعت لنفسها حياة جديدة في مكان آخر، لتجد أحفاد هذه التجربة اليوم أمام تهديد اقتلاع جديد. ولا تقف هذه الحكاية عند حدود الخربة. ففي محافظة جنين، تتسع الإجراءات التي تطال الأرض ومقومات العيش، وسط تصاعد الاستيطان ومصادرة الأراضي وتجريفها. وتشير بيانات رسمية إلى أن الاحتلال يسيطر على أكثر من 53% من مساحة المحافظة، فيما اقتُلع أكثر من 35 ألف شجرة زيتون، وصودرت أكثر من 570 دونمًا.
في سروج، تُختصر هذه التحولات في رجل يفكّك ما بناه على مدى ثلاثين عامًا، وعائلات تبحث عن مكان تذهب إليه بعدما أُجبرت على ترك منازلها. لا يملك عماد اليوم إجابة عن شكل الحياة بعد الرحيل. ما يملكه هو ذاكرة السنوات التي قضاها في الخربة، وتعبٌ صار عليه أن يفككه قطعةً قطعة، ومصير مفتوح على المجهول.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة