فلسطين
سياسة

سلفيت تحت الحصار: كيف تعيد البوابات المغلقة تشكيل حياة السكان اليومية؟

شبكة قدس٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٠٢ م0 مشاهدة
سلفيت تحت الحصار: كيف تعيد البوابات المغلقة تشكيل حياة السكان اليومية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "خاص| مدينة تنتظر فتح بوابتها.. كيف يعيد الإغلاق تشكيل حياة أهالي سلفيت؟" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في مدينة سلفيت، أصبح الوصول إلى المدرسة والعمل والأهل يتطلب حسابات إضافية، بينما تتكبد المحال التجارية خسائر الإغلاق وتواجه العائلات مشقة التنقل. وفي مشهد مؤثر، يبرز نقل متوفى عبر البوابة كصورة قاسية لما يفرضه الحصار على الحياة وكرامة الإنسان.

يعاني أهالي سلفيت والقرى المحيطة بها بشكل متكرر من إغلاق البوابة الشمالية للمدينة، مما يعطل حياتهم اليومية. يضطر الطلاب والموظفون والعمال إلى سلوك طرق بديلة أطول أو الانتظار لساعات دون ضمان فتح البوابة. ويتأثر أصحاب المحال التجارية بتراجع حركة الزبائن وتتراكم التزاماتهم المالية رغم توقف أعمالهم. تعتمد عشرون بلدة وقرية على سلفيت لخدماتها الصحية والتعليمية والحكومية، مما يوسع تأثير الإغلاق على آلاف المواطنين. ويؤكد ناشطون أن قرار فتح البوابة أو إغلاقها خاضع لمزاج الجنود وضغوط المستوطنين دون مراعاة لاحتياجات السكان.

كل صباح، يخرج أمير وليلى من قرية حارس باتجاه مدرستهما الخاصة في سلفيت، حاملين حقائبهما ومستعدين ليوم دراسي جديد. لكن الطريق إلى المدرسة لا يسير كما ينبغي؛ فعند البوابة الحديدية المقامة على المدخل الشمالي للمدينة، يترجل الطالبان ويكملان جزءًا من الطريق مشيًا على الأقدام، حتى يصلا إلى سيارة تنتظرهما في الجهة الأخرى، ومنها يتابعان رحلتهما إلى المدرسة. لم يعد الوصول إلى مقاعد الدراسة مجرد رحلة يومية عادية، بل صار مرتبطًا ببوابة قد تُفتح وقد تبقى مغلقة، وبقرار لا يملكه الطالبان ولا عائلتاهما.

وعلى هذا المدخل، تتوقف حركة الناس وتتعطل مصالحهم، فيما يبقى فتح البوابة وإغلاقها خاضعًا لمزاج الجنود الموجودين في المكان، من دون اكتراث بما يترتب على ذلك من تأخير ومعاناة، أو بما ينتظر المواطنين على جانبي الطريق. هذه ليست حكاية أمير وليلى وحدهما، بل واقع يعيشه أهالي سلفيت والقرى المحيطة بها، حيث تحوّل المدخل الشمالي إلى نقطة تتحكم في تفاصيل الحياة اليومية، من التعليم والعمل إلى التجارة والعلاقات العائلية، وصولًا إلى اللحظات التي يحتاج فيها الإنسان إلى عبور الطريق في ظروف لا تحتمل مزيدًا من المشقة.

على مقربة من المؤسسات الحكومية في المدينة، يدير أبو عبد الله دكانه، محاولًا الحفاظ على عمله رغم تراجع حركة البيع والشراء كلما أُغلقت البوابة وتعذّر وصول المواطنين من القرى المجاورة. فالزبائن الذين اعتادوا الوصول إلى سلفيت لإنجاز معاملاتهم وشراء احتياجاتهم قد يجدون أنفسهم عاجزين عن الوصول، فيما تبقى مصاريف المحل والتزاماته قائمة، ولا تتوقف احتياجات العمل بانتظار أن يسمح الجنود بمرور الناس. وفي محل آخر، يجد صاحب صالون الحلاقة نفسه أمام مواعيد تتأجل وزبائن يتعذر وصولهم في الوقت المحدد. أما أصحاب المحال التجارية الكبيرة، فتتراكم عليهم الالتزامات التشغيلية والمصاريف اليومية، بينما تتأثر حركة السوق بتراجع وصول المواطنين. وهكذا، لا يبقى الإغلاق إجراءً عند مدخل المدينة، بل يتحول إلى خسارة تمس أرزاق أصحاب المصالح، من دون أن يكون لهم أي دور في القرار الذي يعطل أعمالهم.

ولا تقل معاناة الموظفين وعمال المصانع عن ذلك؛ فالوصول إلى أماكن العمل في الوقت المحدد يصبح مهمة أكثر تعقيدًا حين تُغلق البوابة أو يتأخر فتحها. وقد يجد العامل نفسه متأخرًا عن عمله بسبب طريق لا يستطيع التحكم فيه، فيما يتحمل وحده تبعات التأخير، رغم أن المشكلة ليست في التزامه، بل في القيود المفروضة على حركته.

وتنسحب هذه القيود على الروابط العائلية أيضًا. فأم علي سيدة تقيم خارج سلفيت اعتادت زيارة أهلها كل أسبوع أو أسبوعين، لكنها باتت تحتاج إلى تخطيط أكبر لرحلتها، خصوصًا حين تكون برفقة أطفالها. تعدد وسائل النقل وعدم ضمان المرور في الوقت المناسب يحوّلان الزيارة العائلية إلى رحلة مرهقة، ويجعلان لقاء الأهل مرتبطًا بحسابات الطريق وإمكانية العبور.

وعندما تُغلق البوابة، يبحث السكان عن طرق بديلة، لكن البديل لا يكون دائمًا أسهل أو أكثر أمانًا. فالتوجه نحو رام الله قد يكون أيسر حين لا تعترض الطريق حواجز أخرى، بينما يواجه المواطنون صعوبات ومخاوف على طريق وادي الشاعر، في ظل الوجود الاستيطاني والاعتداءات. وبين الانتظار أو سلوك طرق أطول وأكثر مشقة، يجد الناس أنفسهم مضطرين إلى تدبير شؤونهم وفق خيارات لم يختاروها.

ويقول عيسى صوف، الناشط ضد الاستيطان في سلفيت والقرى التابعة لها، إن البوابات الحديدية التي ينصبها الاحتلال على مداخل التجمعات الفلسطينية تحوّلت إلى أدوات للتحكم بحركة السكان، وإن إغلاقها قد يأتي استجابة لضغوط المستوطنين المحيطين بهذه التجمعات. ويشير إلى أن السكان لا يملكون التأثير في قرار فتح البوابة أو إغلاقها، رغم ما يترتب عليه من أعباء نفسية واقتصادية واجتماعية. ويؤكد صوف أن خطورة إغلاق مدخل سلفيت تتضاعف بسبب مكانة المدينة مركزًا للمحافظة، واحتضانها المستشفى الرئيسي والمراكز الصحية والمؤسسات الحكومية والجامعات والمراكز التعليمية والمهنية، إلى جانب مكاتب الشركات والمؤسسات الخاصة. وتعتمد عشرون بلدة وقرية على المدينة في الوصول إلى الخدمات وإنجاز المعاملات والعمل والتعليم، ما يجعل إغلاق مدخلها مؤثرًا في حياة آلاف المواطنين، لا في سكان سلفيت وحدهم.

وبالنسبة إلى الأهالي، لا تقتصر المشكلة على طول فترة الإغلاق، بل على غياب أي ضمانة لمعرفة موعد فتح البوابة. فقد تمر الساعات والناس ينتظرون، فيما تتعطل أعمالهم ومواعيدهم، ولا يجدون جهة تكترث بما يخسرونه من وقت وجهد ومال. ويقول السكان إن قرار المرور يبقى مرهونًا بمزاج الجنود الموجودين عند البوابة، وكأن احتياجات الناس اليومية لا تستحق أن تؤخذ في الحسبان.

لكن المشهد الأكثر قسوة يتجاوز حسابات العمل والدراسة والخسائر المادية؛ فقد اضطر ذوو متوفى إلى مواجهة مشهد نقل جثمانه بسيارة الإسعاف من المستشفى إلى البوابة، ثم تمريره من أسفل الحديد إلى الجهة الأخرى. وفي لحظة يفترض أن تكون مخصصة لوداع الفقيد وصون حرمته، فرض الإغلاق على العائلة مشهدًا قاسيًا، أضاف إلى ألم الفقد مساسًا بكرامة الميت ومشاعر ذويه.

في هذا المشهد، تختصر البوابة ما تفرضه على الناس: طريق لا يُضمن فتحه، وحياة لا تسير وفق احتياجات أصحابها، وقرارات يتخذها الجنود فيما يتحمل المواطنون نتائجها. فالطالب يريد الوصول إلى مدرسته، والعامل إلى مكان عمله، والتاجر إلى زبائنه، والأم إلى أهلها، والعائلة إلى وداع فقيدها بكرامة؛ لكن هذه الاحتياجات البسيطة تصبح رهينة بوابة حديدية. في سلفيت، لا يقف الحديد عند طرف الطريق، بل يمتد أثره إلى كل بيت ومصلحة وعائلة. وبينما ينتظر أمير وليلى الوصول إلى المدرسة، وينتظر أبو عبد الله زبائنه، وينتظر العمال فتح الطريق، يبقى السؤال الذي يرافق الأهالي كل يوم: إلى متى ستظل تفاصيل حياتهم معلّقة بقرار فتح البوابة، من دون أن يكترث أحد بما يدفعونه من وقت وأرزاق وكرامة؟

شارك الخبر: