فلسطين
عاجل

مع اقتراب الشتاء الرابع في غزة: نازحون يواجهون الأمطار بـ"خيام بالية" ومخاوف من الغرق

شبكة قدس١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٨ م0 مشاهدة
مع اقتراب الشتاء الرابع في غزة: نازحون يواجهون الأمطار بـ"خيام بالية" ومخاوف من الغرق

تنويه

هذا الخبر بعنوان "خاص| شبكة قدس ترصد معاناة نازحي غزة مع اقتراب الشتاء: خيام بالية ومخاوف من الغرق" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مع اقتراب فصل الشتاء الرابع منذ بدء الإبادة، يستعد نازحو قطاع غزة لمواجهة الأمطار والبرد داخل خيام أنهكتها حرارة الصيف وتآكلت أقمشتها بفعل الاستخدام الطويل، مما يجعلها عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الحماية. وبينما تتصاعد المخاوف من غرق الخيام مع المنخفضات الجوية، تتراجع إمدادات مواد الإغاثة، ولا سيما الشوادر وأغطية النايلون، في ظل القيود التي يفرضها الاحتلال وإغلاق المعابر.

بعد صيف طويل أضعفت خلاله درجات الحرارة المرتفعة أقمشة الخيام والشوادر، انتظر النازحون وصول مستلزمات الحماية استعداداً للشتاء، لكن هذه الآمال لم تتحقق، ما يترك كثيرين أمام خيار البقاء في الخيام ذاتها التي واجهوا فيها الصيف، وبعضها لم يعد صالحاً للسكن منذ سنوات، أو لم يتغير منذ بداية الإبادة قبل نحو ثلاثة أعوام. وتتزامن هذه الظروف مع تحذيرات أممية من تفاقم أزمة النزوح في القطاع.

فقد حذّر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الجمعة الماضية، من استمرار «كابوس النزوح» في غزة، في وقت يستقبل فيه معظم الفلسطينيين شتاءهم الرابع داخل خيام واهية، وسط استمرار القصف الإسرائيلي وتضاؤل فرص العودة إلى المناطق التي نزحوا منها. وقال رئيس المكتب في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أجيث سونغاي، إن «كابوس النزوح في غزة حادّ ومزمن في آنٍ واحد».

وفي آب/أغسطس الماضي، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن نحو 2.15 مليون نازح فلسطيني يعيشون ظروفاً إنسانية قاهرة، بينهم أكثر من 800 ألف يقيمون في خيام غير صالحة للحياة الآدمية. كما أفاد، في 23 أيلول/سبتمبر الماضي، بأن أكثر من 60% من خيام النازحين مهترئة وتحتاج إلى الاستبدال الفوري، بواقع 162 ألف خيمة من أصل 270 ألفاً.

شتاء يعيد مشاهد الغرق

داخل أحد مراكز الإيواء في مدينة غزة، يعيش أسعد الحسني في خيمة لم يتمكن حتى الآن من تغطية سقفها بشادر يحميها من الأمطار، ما يجعله يخشى تكرار مشاهد الغرق التي عاشها خلال المواسم السابقة. ويقول الحسني لـ«شبكة قدس»: «نحن مقبلون على فصل الشتاء، ونتخوف منه لأنه فصل صعب علينا. جرّبنا الشتاء خلال الأعوام السابقة، وكنا لا ننام طوال الليل، وننقل الملابس من زاوية إلى أخرى داخل الخيمة لإبعادها عن مياه الأمطار التي تتسرب إليها». ويستعيد مشاهد من معاناته السابقة، قائلاً: «عانينا كثيراً في مواسم الشتاء الماضية، فخيمتي أصبح عمرها ثلاث سنوات ولم تعد صالحة حتى للعيش، فكيف ستواجه موسماً من الأمطار الغزيرة؟ أذكر أنني اضطررت للمبيت في خيمة أخرى بعدما غرقت خيمتي، وأحياناً تبقى الملابس والفراش مبللة عدة أيام، إلى أن ينتهي المنخفض وتطلع الشمس. الشتاء على الأبواب ونحن نضع أيدينا على قلوبنا».

وعلى مقربة منه، يعيش يوسف المجدلاوي ظروفاً مشابهة، بعدما اضطر، في ظل غياب الشوادر وأغطية النايلون، إلى استخدام قماش خيمة بالية سقفاً لخيمته، فيما يحاول حماية المساحة المفتوحة أمامها، التي يستخدمها لطهي الطعام وغسل الأواني والملابس، من مياه الأمطار. وخلال هطول المطر، يعمل المجدلاوي وأبناؤه على فتح قنوات لتصريف المياه التي تتجمع حول الخيمة وتتسلل إليها من جوانبها، في محاولة لتقليل الأضرار. ويصف المجدلاوي الشتاء بأنه «فصل مرعب»، قائلاً لـ«شبكة قدس» بينما كان يشد جوانب خيمته: «خيمتنا وشوادرنا تالفة ومهترئة. وضعت قماش خيمة خلال الصيف كسقف، لكنه اهترأ، ولا أعرف إن كان سيحمينا من مياه الأمطار». ومع انخفاض أرضية الخيمة عن محيطها، تتحول إلى بركة من المياه، ما يضطره وأبناءه إلى العمل على تصريفها رغم البرد وهطول الأمطار. ويضيف بتهكم: «الخيمة أصبحت مملكتنا، وتلازمنا الإبرة والخيط لإغلاق الثقوب أولاً بأول».

ولا تقتصر المخاطر على تلف الخيام، إذ تفتقر معظم مخيمات الإيواء، المقامة على أراضٍ تفتقر إلى البنية التحتية، إلى شبكات تصريف مياه الأمطار. ويعتمد النازحون على امتصاص الرمال للمياه، لكن غزارة الهطول ووجود مخيمات فوق تربة طينية يحوّلان كثيراً من المساحات إلى أوحال، فيما تتسرب المياه إلى الخيام من الأسفل والأعلى، وتتلف الملابس والطعام والفراش. وتزداد المخاطر على العائلات التي تقيم عند أطراف المخيمات أو على جوانب الطرق، حيث تصبح الخيام عرضة لمياه الأمطار المتدفقة في الشوارع، فضلاً عن افتقارها إلى المساحات الآمنة.

خيام على الأرصفة وفي مجرى المياه

على رصيف لا يتجاوز عرضه ثلاثة أمتار في شارع الجلاء بمدينة غزة، نصب عبد الكريم أبو بيض خيمته، لتبقى محاصرة بمخاطر الطريق من جهة، ومياه الأمطار من جهة أخرى. فالسيارات والشاحنات تمر بمحاذاة خيمته، فيما يهدد جريان المياه بغمرها مع كل منخفض جوي. ويقول أبو بيض لـ«شبكة قدس»: «الشتاء الماضي غرقت خيمتي عدة مرات، وهذه الخيمة عمرها سنة ونصف، ولا يوجد شادر يحميها، وبالتالي فإن غرقها مرة أخرى أمر حتمي». ويضيف أنه حاول الانتقال إلى أماكن أخرى، لكنه لم يجد مساحة متاحة، في ظل امتلاء مخيمات الإيواء واكتظاظ غرب مدينة غزة بالنازحين. كما تعجز عائلته عن شراء خيمة جديدة أو شادر، قائلاً: «لا نستطيع شراء خيمة جديدة أو شادر، وبالكاد نستطيع شراء قوت يومنا».

وتكشف الخيمة التي يقيم فيها أبو بيض جانباً آخر من قسوة الحياة اليومية؛ فالغبار يغطي قماشها بفعل حركة المركبات الكثيفة، فيما يبدو سقفها متداعياً إلى الداخل، حتى إن الوقوف بكامل القامة داخلها بات صعباً. ولا تضم سوى بعض الفُرش وخزانات مياه قليلة. وعلى الجانب الآخر من الطريق، اشترى نضال أبو بيض خيمة قبل نحو شهر استعداداً لموسم الأمطار، لكن الغبار المتراكم عليها بفعل مرور السيارات جعلها تبدو كأنها خيمة قديمة مهترئة. وتتفاوت أسعار الخيام في الأسواق بحسب نوع القماش وقدرته على مقاومة الحرارة والأمطار. ويبلغ سعر الخيمة المعروفة باسم «القطرية»، وهي متوسطة المتانة ومصنوعة من القماش، نحو 400 شيقل في السوق السوداء، بينما يتراوح سعر الخيام الأكثر متانة، ومنها «القبة» المصنوعة من خامة الشادر البلاستيكي و«الصينية»، بين 1600 و2000 شيقل، وهي أسعار تفوق قدرة كثير من العائلات النازحة. كما أن المؤسسات الإغاثية لا توفر هذه الأنواع إلا بصورة محدودة، ما يزيد من ارتفاع أسعارها في الأسواق ويجعل الحصول عليها بعيداً عن متناول كثير من النازحين.

الأطفال في مواجهة البرد ومياه الأمطار

ولا تتوقف معاناة العائلات عند تسرب المياه إلى الخيام، بل تمتد إلى الأضرار الصحية التي قد يتعرض لها الأطفال نتيجة البرد والرطوبة، كما حدث مع عائلة كامل أبو زور، الذي يقيم في خيمة داخل المخيم فوق أرضية إسمنتية تفتقر إلى وسائل تصريف المياه. ويقول أبو زور لـ«شبكة قدس»: «نحن متخوفون من فصل الشتاء، لأننا نعاني كثيراً، وخلال وقت قصير تغرق الخيمة من الأسفل. ورغم أنني وضعت الرمال كساتر حولها، فإن ذلك لم يجدِ نفعاً، فكلما وضعت أكياساً مملوءة بالرمال تسربت مياه الأمطار إلى الداخل، لعدم وجود شبكة لتصريف المياه داخل المخيم، ما يؤدي إلى تلف الملابس». وكغيره من النازحين، يمضي أبو زور ساعات هطول الأمطار في محاولة إخراج المياه من الخيمة وإبعادها عن مقتنيات عائلته. ويستعيد معاناته خلال الشتاء الماضي، ولا سيما في شهري كانون الأول/ديسمبر وشباط/فبراير، حين تتابعت المنخفضات الجوية وغرقت خيمته مرات عدة. ويعيش أبو زور مع أطفاله الخمسة، أصغرهم يبلغ عاماً واحداً، وقد أصيب الطفل خلال الشتاء الماضي بنهجة ونزلة برد وأزمة صدرية، استدعت مكوثه في المستشفى ثلاثة أسابيع.

ويشير إلى أنه لم يحصل على شوادر من المؤسسات الإغاثية منذ الشتاء الماضي، فيما اشترى الخيمة التي يسكنها على نفقته قبل عامين. وفي خيمة أخرى، تستقبل أم محمد أبو شنب وأبناؤها السبعة الشتاء دون شادر يحمي مسكنهم من الأمطار. ولا تملك العائلة سوى عدد قليل من جالونات المياه وأواني الطهي التي اسودّت بفعل الاستخدام المتكرر للحطب، فيما لا يوفر سقف الخيمة حماية كافية من الظروف الجوية المقبلة. وتقول أبو شنب لـ«شبكة قدس»: «هذا الشتاء الرابع الذي يأتي ونحن نعيش في خيام بالية ووضع معيشي صعب».

وبالقرب منها، يعيش إياد أبو عمرو، الذي تمكن قبل أسبوعين من شراء خيمة جديدة، لكن موقعها على جانب الطريق يبقيها عرضة لجريان مياه الأمطار، فضلاً عن الرياح التي قد تقتلع الشوادر أو تتسبب بتمزقها. ويقول أبو عمرو لـ«شبكة قدس»: «الوضع الذي نعيشه صعب إلى درجة كبيرة، لأننا نعيش بجانب الطريق، ولا يقتصر الأمر على سقوط الأمطار، فهناك زوابع هواء تؤدي إلى تطاير الشوادر التي تغطي جوانب الخيمة أو تمزقها».

وبين خيام تآكلت أقمشتها، وأخرى لا تملك أغطية تحميها، وعائلات لا تستطيع تحمل كلفة استبدالها، يقترب الشتاء على النازحين في غزة محمّلاً بمخاوف تكرار الغرق والبرد وفقدان أبسط مقومات الحياة. فبالنسبة إلى هؤلاء، لا يعني تغير الفصل مجرد انخفاض درجات الحرارة، بل بداية اختبار جديد للبقاء داخل خيام لم تعد قادرة على حمايتهم من المطر.

شارك الخبر: