«ما خفي أعظم»: وثائق محمد الضيف تفتح ملفات تاريخية فلسطينية حساسة


هذا الخبر بعنوان "«ما خفي أعظم».. وثائق وشهادات تعيد فتح ملفات مرحلة مفصلية في تاريخ فلسطين" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعادت تسجيلات ووثائق محمد الضيف، التي بثها برنامج «ما خفي أعظم»، فتح ملفات هامة من مرحلة مفصلية في تاريخ فلسطين، مطروحةً تساؤلات حول التخطيط وصناعة القرار، وأهمية الأرشيف في حفظ الذاكرة الفلسطينية ومواجهة محاولات طمس الرواية. عرض تحقيق لقناة الجزيرة بعنوان «ما خفي أعظم» وثائق وشهادات عن محمد الضيف ومسيرته في قيادة كتائب القسام، متناولاً تحضيرات هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول ووثائق تعود إلى شباط/فبراير 2023 حول «مشروع فهد».
أكد التحقيق على أهمية التوثيق والأرشيف في حفظ الذاكرة الفلسطينية في ظل تدمير البيوت والمؤسسات وتهجير العائلات. ونشر التسجيلات يتيح للفلسطينيين توثيق تجربتهم بأصواتهم بدلاً من تركها لروايات المؤسسات الأمنية أو الإعلامية. كما لفت إلى بُعد وجداني تمثل في تفاعل الجمهور مع مشاهد الغياب كشكل من الحداد المؤجل على من فقدوا خلال الحرب.
من قلب الغياب، عادت الصور والأصوات التي ظلت سنوات بعيدة عن المجال العام، لتفتح صفحات من تاريخ الصراع الفلسطيني، وتضع أمام الجمهور مشاهد ووثائق وشهادات عن مرحلة تركت آثارها العميقة في فلسطين والمنطقة. ففي حلقة «ما خفي أعظم» التي تناولت محمد الضيف، اجتمعت الشهادة الشخصية والوثيقة والتسجيل المصور لتقديم مادة جديدة عن مسيرته، من النشأة والدراسة والاعتقال إلى قيادة كتائب القسام، وما ارتبط بذلك من تحضيرات لهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وفق ما عرضته قناة الجزيرة في تحقيقها.
لكن أهمية هذه المواد لا تقف عند حدود الكشف عن تفاصيل ظلت بعيدة عن الجمهور؛ فالأرشيف، في حياة الشعوب، ليس مجرد صور تُستعاد أو وثائق تُعرض، بل هو صلة بين الذين عاشوا الحدث والأجيال التي ستأتي بعدهم، ووسيلة لحماية الوقائع من الضياع، والأسماء من المحو، والحكايات من أن تُترك رهينة لرواية واحدة.
في فلسطين، حيث يتعرض الإنسان والأرض والذاكرة للاستهداف، تكتسب عملية التوثيق معنى يتجاوز حفظ الماضي. فحين تُدمّر البيوت والمؤسسات والجامعات، وتُهجّر العائلات من أماكنها، لا يقتصر الخطر على اقتلاع الإنسان من أرضه، بل يمتد إلى اقتلاع حكايته من سياقها التاريخي، وحرمان الأجيال المقبلة من معرفة ما جرى ومن عاشوه ومن دفعوا ثمنه.
من هنا، تبرز الدلالة السياسية والمعرفية لنشر التسجيلات والوثائق. فما كان محفوظاً في نطاق السرية انتقل إلى المجال العام، وأصبح مادة يمكن قراءتها ومناقشتها والبحث في تفاصيلها. ولم تعد المشاهد مجرد لحظات عابرة من الماضي، بل تحولت إلى جزء من ذاكرة عامة تتعدد قراءاتها، وتتقاطع فيها الشهادة الشخصية مع الوقائع السياسية والعسكرية، وتبقى فيها الحاجة قائمة إلى التحقق والتدقيق وفهم السياقات.
ويتيح ظهور هذه المواد إضافة تفاصيل جديدة إلى السجل الفلسطيني، في مواجهة اختلالات طالما طبعت موازين إنتاج الرواية وتقديمها إلى العالم. فامتلاك الوثيقة وحفظها وإتاحتها يمنح الفلسطينيين فرصة أوسع لتوثيق تجربتهم بأصواتهم وشهاداتهم، بدلاً من ترك تاريخهم أسيراً لما تنتجه المؤسسات الأمنية أو الإعلامية من روايات وتفسيرات.
وقد استوقفت الجمهور في التسجيلات تفاصيل إنسانية تتصل بالحياة الشخصية والاهتمامات المبكرة وطبيعة العلاقات بين الأشخاص الظاهرين فيها. وهي تفاصيل تفتح نافذة على جوانب من حياة شخصيات اعتاد الجمهور التعرف إليها من خلال البيانات العسكرية والصور الأمنية، وتعيد طرح سؤال العلاقة بين الإنسان وصورته العامة، وبين سيرته الشخصية وموقعه في أحداث كبرى. إن استعادة الإنسان من الاختزال لا تعني إغفال أفعاله أو إعفاءه من المسؤولية، بل تعني قراءة التجربة في سياقها الأوسع، بما يتضمنه من نشأة وعلاقات وقرارات ونتائج. فالتوثيق الجاد لا يكتفي بصناعة صورة مثالية أو شيطانية، وإنما يسعى إلى جمع المادة وفهمها ومقارنتها، وترك الوقائع والأسئلة أمام البحث التاريخي المسؤول.
وتظل غزة، بما دفعته من أرواح ودمار ومعاناة، حاضرة في صلب أي قراءة لتاريخ هذه المرحلة وتداعياتها. وفي التفاعل الواسع مع الحلقة، ظهر بُعد وجداني آخر؛ إذ وجدت مشاهد الغياب لدى بعض المتابعين منفذاً للتعبير عن حزن تراكم تحت وطأة الحرب، وعن فقد لم تتوفر لكثيرين ظروف الوداع الكامل. وهكذا تحولت التسجيلات، بالنسبة إلى جمهور، إلى مساحة لاستعادة الملامح والأصوات، وإلى شكل من أشكال الحداد المؤجل الذي تستعيد فيه الذاكرة حضور من غابوا.
غير أن الأثر العاطفي للصور لا يغني عن ضرورة التعامل النقدي معها. فالمشهد المصور، مهما بلغت أهميته، يظل جزءاً من سجل أوسع يحتاج إلى ترتيب وتدقيق ومقارنة مع مصادر أخرى. وتكمن قيمة الأرشيف في قدرته على فتح الأسئلة، لا في إغلاقها؛ وفي إتاحة المجال لفهم الأحداث ومسارات اتخاذ القرار، لا في الاكتفاء بما تثيره من انفعالات. وتقدم تسجيلات الاجتماعات والوثائق المعروضة مادة لدراسة بنية العمل التنظيمي والعلاقات بين مستوياته السياسية والعسكرية، وكيفية تطور المداولات والتقديرات خلال سنوات متعاقبة. لكن تحويل هذه المادة إلى معرفة تاريخية متماسكة يتطلب حفظ أصولها، وتوثيق تواريخها، وفهم ظروف إنتاجها، ووضعها ضمن تسلسل زمني واضح، بدلاً من التعامل مع كل تسجيل بوصفه دليلاً مستقلاً مكتمل الدلالة.
وفي هذا السياق، عرض التحقيق وثيقة تعود إلى شباط/فبراير 2023 تتعلق ببدء التحضير لما سُمّي «مشروع فهد»، وتتضمن إمكانية إلغائه إذا تراجعت دولة الاحتلال عن اعتداءاتها، إلى جانب وثيقة أخرى تتصل بأمر التنفيذ في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر. وتضيف هذه المواد عناصر جديدة إلى دراسة المداولات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر، والعلاقة بين التخطيط العسكري وتقديرات القيادة، لكنها تظل بحاجة إلى القراءة ضمن سياقها الكامل، مع التمييز بين ما تقوله الوثائق صراحة وما يمكن استنتاجه منها. كما تعيد هذه المواد طرح أسئلة بشأن حدود المعرفة الاستخبارية، وطبيعة التقديرات التي تُبنى عليها القرارات الأمنية والعسكرية. فالمعرفة الأمنية، مثل غيرها من أشكال المعرفة البشرية، ليست بمنأى عن الخطأ والثغرات وسوء التقدير، ولا تتحول الرواية إلى حقيقة مكتملة لمجرد تكرارها. وتزداد أهمية التدقيق في أوقات الحرب، حين تتداخل المعلومات مع الدعاية، وتتنافس الأطراف على تشكيل الوعي العام وتثبيت رواياتها للأحداث. ولذلك، فإن نشر الأرشيف لا ينبغي أن يكون نهاية العمل، بل بدايته. فالمواد المصورة والوثائق والشهادات تحتاج إلى مؤسسات تحفظها، ومراكز بحث تفهرسها، وجامعات تدرسها، ومؤسسات إعلامية تتحقق من تفاصيلها، بما يضمن صون حقوق أصحابها وعدم فصلها عن سياقاتها. وبهذه العملية، ينتقل الأثر من لحظة البث إلى سجل يمكن الرجوع إليه ومراجعته، وتتحول المشاهد المتفرقة إلى معرفة قابلة للتراكم والتدقيق.
ستبقى غزة أكبر من شاشة، وأوسع من أرشيف، وأثقل من قدرة الكلمات على الإحاطة بأوجاعها. لكن كل شهادة تُحفظ، وكل وثيقة تُصان، وكل اسم يُثبت في سجل موثوق، يمكن أن يسهم في مقاومة خطر النسيان، وفي حماية حق الفلسطينيين في رواية تاريخهم وتوثيق ما عاشوه. في أرض دفعت كلفة هائلة من حياة أبنائها، لا تنفصل الذاكرة عن المسؤولية، ولا ينفصل التوثيق عن الحق في المعرفة. فحفظ التاريخ ليس استعادة للماضي وحده، بل مسؤولية تجاه الأحياء والأجيال المقبلة؛ كي تبقى الوقائع موضع بحث، والحقوق حاضرة في الوعي العام، والإنسان الفلسطيني في قلب الحكاية، لا على هامشها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة