فلسطين
ثقافة

في ذكرى المولد النبوي: غزة تستلهم معاني الصبر والثبات من سورة الأحزاب وسط الحصار والدمار

فلسطين أون لاين٢٥ آب ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٧ ص0 مشاهدة
في ذكرى المولد النبوي: غزة تستلهم معاني الصبر والثبات من سورة الأحزاب وسط الحصار والدمار

تنويه

هذا الخبر بعنوان "في ذكرى المولد... غزة تقرأ سورة الأحزاب | فلسطين أون لاين" نشر أولاً على موقع فلسطين أون لاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تمرّ ذكرى مولد رسول الله ﷺ على غزة هذا العام، فلا تستقبلها مدينة آمنة تتزين شوارعها وتزدحم مساجدها، بل أرض مثخنة بالجراح، وخيام يرفع أهلها الأذان من بين الركام، وأمهات يحملن الفقد والصبر معًا، وأطفال كبروا قبل أوانهم، وشعب ما يزال يبحث وسط المحنة عن معنى يثبّت القلب ويهدي الطريق.

وفي هذه اللحظة، تبدو سورة الأحزاب كأنها تُقرأ في غزة قراءة جديدة؛ لأنها لا تقدم النبي ﷺ في مشهد رخاء، وإنما تضع الأسوة في قلب الحصار، حيث يقول الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: 10]. هناك، عندما ضاقت المدينة، وتكاثرت الأحزاب، واشتد الخوف، وانكحفت النفوس؛ نزلت الكلمة التي تحتاجها غزة اليوم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].

هنا يصبح المولد أكثر من ذكرى؛ يغدو منهجًا للثبات. فأن نحب محمدًا ﷺ ونحن في المحنة، يعني أن نتعلم منه كيف تكون القلوب كبيرة حين تضيق الأرض، وكيف يبقى اليقين حيًا حين تتكاثر أسباب الخوف، وكيف لا تسمح شدة البلاء بانهيار الأخلاق أو ضياع البوصلة.

لقد رأى المنافقون الأحزاب فقالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12]. ورأى المؤمنون المشهد نفسه فقالوا: ﴿هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22]. المشهد واحد، ولكن القلوب ليست واحدة. وهذه إحدى رسائل المولد إلى غزة: ليست البطولة في ألا نخاف، ولا في ألا نتألم، وإنما في ألا يتحول الخوف إلى انهيار، والفقد إلى يأس، والحصار إلى استسلام للروح.

وفي غزة اليوم معنى آخر للأسوة؛ فالنبي ﷺ لم يكن قائدًا بعيدًا عن آلام الناس، بل كان بينهم، يحمل همهم، ويشاركهم شدتهم، ويدعوهم إلى الله وهو بينهم. وما أحوج غزة إلى السراج المنير حين يطول ليلها؛ إلى دين يعيد بناء الإنسان ولا يكتفي بتعداد خسائره، وإلى منبر يزرع الرجاء ولا ينكر الألم، وإلى عالم يصلح بين الناس، وإلى غني يكفل فقيرًا، وإلى جار يحمل جاره، وإلى مجتمع لا يسمح للمحنة أن تأكل أخلاقه كما أكلت الحرب بيوته.

إن الاحتفاء برسول الله ﷺ في غزة لا يكتمل بكثرة الصلاة عليه، على عظيم فضلها، حتى تتحول الصلاة إلى أثر في السلوك. نصلي عليه، ثم نسأل أنفسنا: أين رحمته بيننا؟ أين صدقه وأمانته؟ أين عفوه؟ أين تكافل المجتمع الذي صنعه؟ أين حفظ الحقوق عند الخصومة؟ وأين جمع القلوب حين تتنازع؟

فغزة التي تحتاج إلى إعادة إعمار البيوت تحتاج قبل ذلك ومعه إلى إعمار الإنسان؛ تحتاج ألا تنتصر عليها المحنة من الداخل بعدما عجزت عن اقتلاعها من أرضها. وهنا يكون أعظم وفاء لصاحب المولد ﷺ: أن يبقى هديه حاضرًا عندما تبلغ القلوب الحناجر، وأن نقول وسط الركام: لن نفقد أخلاقنا، ووسط الفقد: لن نفقد يقيننا، ووسط الاختلاف: لن نفقد أخوتنا، ووسط الخيام: لن نفقد رسالتنا، ووسط هذا الليل الطويل: لن نفقد الأمل في الفجر.

شارك الخبر: