استراتيجية الإحلال الإسرائيلية: قراءة في مخططات تهويد الأقصى والضفة الغربية


هذا الخبر بعنوان "الأقصى والضفة وهندسة الإحلال الإسرائيلية | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ما يجري في الضفة الغربية والقدس والمسجد الأقصى لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تراكمًا عشوائيًا لاعتداءات منفصلة، بل باعتباره مسارًا سياسيًا متدرجًا لإعادة هندسة المجال الفلسطيني، وتفكيك قواعده التاريخية والقانونية، وإنتاج وقائع جديدة على الأرض، ثم تحويل هذه الوقائع، مع مرور الوقت، إلى حقائق سياسية يصعب التراجع عنها.
فاقتحامات المسجد الأقصى وأداء الصلوات والطقوس التلمودية في باحاته ليست في جوهرها مجرد مظاهر دينية متطرفة، وإنما أدوات ضمن استراتيجية أوسع لنقل الصراع من مستوى السيطرة الأمنية على المكان إلى مستوى إعادة تعريف وظيفته وهويته والسيادة عليه. وهذه هي النقطة الأكثر خطورة؛ لأن الاستعمار لا يحتاج دائمًا إلى إعلان أهدافه النهائية دفعة واحدة، بل يستطيع الوصول إليها عبر ما يمكن تسميته بالتدرج الاستعماري، حيث يتحول المحظور إلى ممارسة، والممارسة إلى عُرف، والعُرف إلى مطالبة سياسية، ثم تتحول المطالبة السياسية إلى ترتيبات قانونية وأمنية جديدة.
ولذلك، فإن تصاعد الاقتحامات، وفرض الطقوس اليهودية، ومحاولات تكريس الصلاة التلمودية داخل الأقصى، ينبغي أن يُفهم باعتباره اختبارًا مستمرًا لحدود المقاومة السياسية والقانونية العربية والإسلامية والفلسطينية، أكثر منه مجرد استفزاز ديني عابر. والأكثر دلالة أن الخطاب المتطرف لم يعد يكتفي بالمطالبة بالصلاة اليهودية في المسجد الأقصى، بل بدأ ينتقل إلى مرحلة أكثر صراحة تتمثل في الدعوة إلى إقامة كنيس يهودي داخل باحات المسجد، وهي نقلة نوعية في طبيعة المشروع؛ لأنها تنقل المسألة من محاولة اقتحام المجال المقدس إلى محاولة إعادة تركيب بنيته الداخلية، ومن ثم إعادة تعريف التوازن الديني والسيادي في القدس.
وقد نُسبت إلى الحاخام شموئيل إلياهو قوله: "نعمل على بناء كنيس يهودي في المسجد الأقصى"، وهي عبارة تكشف بوضوح طبيعة التحول في الخطاب من طلب ممارسة دينية إلى مشروع مؤسسي دائم داخل المكان المقدس. والخطر هنا لا يكمن في العبارة وحدها، بل في السياق السياسي الذي يسمح لمثل هذه الأفكار بالانتقال من الهامش العقائدي إلى المجال العام والسياسي والأمني. فحين تحظى هذه المشاريع بحماية قوات الاحتلال، وتجد لها حاضنة لدى تيارات سياسية ودينية متطرفة، فإنها تحول من خطاب بن غفير ونتنياهو وسموتريتش إلى أداة لإنتاج واقع جديد.
أما الضفة الغربية، فلا يمكن فصل ما يحدث فيها عن هذه المنظومة؛ لأن الاستيطان ومصادرة الأراضي والاقتحامات والاعتقالات وقطع أوصال الجغرافيا الفلسطينية تمثل الوجه الآخر للمشروع ذاته. فالمطلوب ليس السيطرة على القدس وحدها، وإنما إعادة تشكيل المجال الفلسطيني بحيث تصبح الضفة مجموعة من الجيوب المنفصلة المحاطة بالكتل الاستيطانية والطرق العسكرية والمناطق المغلقة.
وفي الختام، فإن المطلوب عربيًا وإسلاميًا وفلسطينيًا ليس إدارة ردود الفعل، بل بناء استراتيجية ضغط متعددة المستويات، تبدأ من تحويل القدس والأقصى إلى أولوية دبلوماسية دائمة، وتنتهي بإنتاج كلفة سياسية وقانونية حقيقية على الاحتلال، فالمعركة اليوم هي معركة على الزمن بقدر ما هي معركة على المكان.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة