فلسطين
سياسة

المفقودون في غزة: غيابٌ يتحول إلى جريمة حقوقية وسياسية تتطلب إرادة دولية

الرسالة١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٢٦ م0 مشاهدة
المفقودون في غزة: غيابٌ يتحول إلى جريمة حقوقية وسياسية تتطلب إرادة دولية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مقال: المفقودون في غزة حين يصبح الغياب جريمة أخرى - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في 02 سبتمبر 2026، الساعة 04:40 مساءً، يتناول محمد مصطفى شاهين قضية المفقودين في غزة، مؤكداً أنها ليست مجرد فصل هامشي في مأساة الحرب، بل هي من أكثر صور المأساة الفلسطينية تعقيداً وقسوة. فبينما ينهي القتل حياة الإنسان، يبقي الاختفاء عائلته أسيرة الاحتمال. وقد أشارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 30 أغسطس 2026 إلى أن آلاف العائلات في غزة ما زالت تنتظر معرفة مصير أحبائها بعد ما يقارب ثلاث سنوات من الحرب، بعضهم قد يكون تحت الأنقاض، وبعضهم محتجزاً، وآخرون فارقوا الحياة دون أن تعرف عائلاتهم مكان دفنهم. هذه ليست مجرد مأساة عاطفية، بل هي أزمة حقوقية وقانونية وسياسية مكتملة الأركان، حيث لا يعترف القانون الدولي الإنساني بالمفقود كرقم مجهول، بل يقر للعائلات بحق معرفة مصير أقاربها ويفرض على أطراف النزاع اتخاذ التدابير الممكنة للبحث عن المفقودين وتحديد أماكنهم.

يجب الخروج من اللغة الإنسانية الناعمة إلى اللغة السياسية الصريحة؛ فالمفقود الفلسطيني ليس مجرد ضحية إضافية للحرب، بل هو إنسان أضيف إلى دائرة العنف مرتين: مرة حين فقد حياته أو حريته أو الاتصال بأسرته، ومرة حين حُرم أهله من الحقيقة. هذا يجعل قضية المفقودين جزءاً من منظومة الحق في الحقيقة، والحق في الكرامة الإنسانية، وحماية الأسرة، والحق في معرفة مصير الموتى والمحتجزين. فالغياب، حين يكون نتيجة للاحتلال أو الاعتقال أو القصف أو التهجير أو الدفن تحت الأنقاض، يتحول من واقعة إنسانية إلى سؤال عن المسؤولية القانونية. ولذلك، فإن أي سلطة تملك معلومات عن المفقودين وترفض تقديمها أو تعطل الوصول إليها، لا تمارس مجرد صمت إداري، بل تساهم في استمرار حالة الغموض التي تعاني منها الأسرة.

يقدم التاريخ الدولي ما يكفي لإسقاط الحجة القائلة بأن البحث عن المفقودين مهمة مستحيلة في الحروب الكبرى. ففي البوسنة والهرسك، خرج من الحرب عشرات الآلاف من المفقودين، وتحول الملف إلى مشروع دولي مؤسسي استخدمت فيه المقابر الجماعية، والطب الشرعي، وتحليل الحمض النووي، والسجلات المركزية، والشهادات، والخرائط، والأدلة القضائية. ولعبت اللجنة الدولية لشؤون المفقودين دوراً مركزياً في بناء قدرة مؤسساتية بوسنية، وتطوير التشريعات، وإنشاء قواعد البيانات، واستخدام تقنيات الحمض النووي، وربط الأدلة بالمسارات القضائية. ولم يكن ذلك عملاً خيرياً عابراً، بل أصبح جزءاً من بناء الدولة بعد الحرب، ومن عملية العدالة الانتقالية، ومن تفكيك منظومة الإنكار التي حاولت أن تدفن الجريمة مع الضحية.

في البوسنة تحديداً، تقدم التجربة درساً شديد الأهمية لغزة. فقد كان هناك في نهاية الحرب عشرات الآلاف من المفقودين، واستطاعت المؤسسات الدولية والمحلية لاحقاً استعادة آلاف الأشخاص والتعرف إلى رفاتهم عبر الحفر الجنائي والطب الشرعي والحمض النووي. وبعد عقود، ما زالت آلاف الأسر تنتظر إجابات، لكن العالم لم يقل إن المسألة مستحيلة، بل أنشأ مؤسسات وقوانين وسجلات وآليات تعاون. بل إن قانون المفقودين البوسني الذي صدر عام 2004 أنشأ إطاراً مركزياً للبحث وسجلاً للمفقودين وصندوقاً خاصاً للأسر، وهو ما يثبت أن ملف المفقودين يمكن أن يتحول بعد الحرب إلى مؤسسة سيادية وقانونية، وليس مجرد نشاط إغاثي.

الأمر نفسه ظهر في أوكرانيا، حيث اضطرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى إنشاء مكتب للوكالة المركزية للبحث عن المفقودين لإدارة واحدة من أكبر عمليات البحث منذ الحرب العالمية الثانية. وقد فتحت العملية عشرات الآلاف من الملفات وربطت بين جمع المعلومات، والتعرف إلى الجثامين، ومتابعة المحتجزين، وإعادة الروابط العائلية. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً في الحالة الفلسطينية: لماذا يستطيع النظام الدولي أن يبني منظومات معقدة للمفقودين في أوروبا وأماكن أخرى، بينما يبدو ملف غزة وكأنه يعيش في فراغ مؤسسي؟ المشكلة إذن ليست في غياب الخبرة الدولية ولا في استحالة التقنية، بل في غياب الإرادة السياسية التي تحول الخبرة إلى قوة تنفيذية.

الصليب الأحمر نفسه يملك اعترافاً واضحاً بأن قضية المفقودين أصبحت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية العالمية. فقد تحدث في الأمم المتحدة عن ارتفاع غير مسبوق في أعداد المفقودين، وارتفع العدد المسجل لدى اللجنة من نحو 169,500 في 2019 إلى حوالي 284,400 في نهاية 2024، بزيادة تقارب 70%، مع تأكيدها أن الرقم الحقيقي أكبر بكثير. كما تؤكد اللجنة أن وكالتها المركزية للبحث عن المفقودين، التي يعود تاريخها إلى عام 1870، ما زالت تقوم بدور مركزي في تتبع الأشخاص وإعادة الروابط العائلية. لذلك، فإن السؤال الفلسطيني ليس هل يمتلك الصليب الأحمر الأدوات، وإنما هل استخدم هذه الأدوات بالحجم الذي تفرضه كارثة غزة.

المسألة هنا لا تتعلق بمطالبة الصليب الأحمر بأن يتحول إلى قوة سياسية أو جهاز تحقيق دولي، فهذا يخالف طبيعته ووظيفته، وإنما بالمطالبة بأن يستخدم كامل وزنه الإنساني والقانوني للوصول إلى المعلومات، والضغط الإنساني، والتوثيق، وفتح الملفات، وربط العائلات بآليات البحث. فالحياد الإنساني لا يعني الحياد بين الحقيقة والإنكار، ولا يعني أن تتساوى الضحية ومن يملك معلومات عنها، ولا يعني أن يصبح الصمت أمام تعطيل حق العائلة في المعرفة جزءاً من تعريف الحياد. وقد قالت رئيسة اللجنة الدولية: "القانون الدولي الإنساني لا يكون قوياً إلا بقدر إرادة القادة في احترامه". وهذه العبارة تصلح عنواناً للمعضلة كلها، لأن المشكلة في غزة ليست غياب القانون، وإنما انهيار الإرادة السياسية اللازمة لإنفاذه.

الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الأثقل في هذه الأزمة، بحكم السيطرة العسكرية والمعلوماتية التي امتلكها على مناطق واسعة من القطاع، وبحكم ما يثار من قضايا تتعلق بالاحتجاز والقتل والدفن تحت الركام، ونقل الجثامين، وتسليم رفات دون معلومات كافية عن هويات أصحابها. ففي فبراير 2026، أعلنت الأمم المتحدة أن السلطات الإسرائيلية سلمت غزة عشرات الجثامين وصناديق تحتوي على بقايا بشرية لأشخاص مفقودين، بينما بقيت عمليات التعرف إلى الهوية تحدياً كبيراً. وفي أغسطس 2026، كشفت عملية استعادة رفات عائلة الحسيني عن حجم الكارثة، عندما احتاجت فرق البحث إلى 17 يوماً لاستخراج والتعرف إلى 112 جثماناً من تحت الأنقاض بعد ما يقارب ثلاث سنوات. إن هذه الوقائع تجعل السيطرة على المعلومات والوصول إلى مناطق الدمار والاحتجاز جزءاً من معركة الحقيقة، وليست مجرد قضية لوجستية.

ثم تأتي مسؤولية المجتمع الدولي، الذي لا يستطيع أن يطالب الفلسطينيين بنسيان الحرب قبل أن يعرفوا أين ذهب أبناؤهم. إن القوى الكبرى التي تملك أدوات الضغط السياسي والعقوبات والتحقيقات الدولية والقدرات الاستخباراتية والتقنيات الجنائية، تستطيع أن تجعل ملف المفقودين بنداً إلزامياً في أي اتفاق لوقف الحرب أو إعادة الإعمار. أما ترك القضية للمبادرات المتفرقة، فهو شكل آخر من أشكال إدارة المأساة بدلاً من حلها. إن القانون الدولي الإنساني وضع القاعدة بوضوح: أطراف النزاع مطالبة بالبحث عن الأشخاص المبلغ عن فقدانهم عندما تسمح الظروف بذلك وفي أقرب وقت ممكن. وبالتالي، فإن المجتمع الدولي لا يحتاج إلى اختراع حق جديد، وإنما يحتاج إلى حماية حق قائم أصلاً.

لهذا، يجب أن تتحول قضية المفقودين من ملف إنساني إلى ملف دولي ذي ولاية سياسية وقانونية مستقلة. ويبدأ ذلك بإنشاء سجل دولي موحد لكل المفقودين في غزة يضم الاسم، والعمر، والصورة، والهوية، والبيانات العائلية، وآخر مكان شوهد فيه الشخص، وتاريخ اختفائه، وأي معلومات عن الاعتقال أو القصف أو انهيار المبنى أو المستشفى أو المقبرة المحتملة. ثم إنشاء بنك وطني للحمض النووي بالتعاون مع مؤسسات دولية، وإنشاء وحدات طب شرعي متنقلة، واستقدام مختبرات دولية مؤقتة إلى غزة. لأن استمرار غياب القدرة على التعرف إلى الرفات يعني عملياً استمرار المفقودين إلى أجل غير معلوم. وما يحدث في العالم يؤكد أن جمع عينات الحمض النووي وربطها ببيانات الأسر والرفات يمكن أن يحول العظام المجهولة إلى أسماء وهوية وحقوق، وتجربة البوسنة خير شاهد على ذلك.

ينبغي أن يوضع الملف على طاولة مجلس السلام، لا باعتباره ملحقاً إنسانياً، بل باعتباره أحد شروط السلام ذاته. فإذا كان المجلس يريد بناء منظومة انتقال وإعادة إعمار واستعادة استقرار، فإن أول شروط الاستقرار هو إنهاء حالة الغموض التي تعيشها آلاف الأسر. ويجب أن يتضمن أي إطار سياسي للمستقبل بنداً ملزماً بعنوان "الحقيقة بشأن المفقودين"، ينص على فتح المناطق التي يحتمل وجود جثامين فيها أمام فرق البحث، وعلى إلزام جميع الأطراف بتبادل المعلومات المتعلقة بالمحتجزين والمفقودين، وعلى إنشاء آلية مستقلة للطب الشرعي، وعلى حماية المقابر والمواقع التي يحتمل أن تحتوي على رفات، وعلى تمويل عمليات البحث والتعرف وإعادة الرفات إلى العائلات.

كما يجب ألا يكون مجلس السلام مجرد منصة لإعادة توزيع النفوذ وإدارة الأمن وإعادة إعمار الحجر، بينما تظل قضية الإنسان خارج جدول الأعمال. فالمصالحة التي لا تعرف فيها العائلة مصير ابنها ليست مصالحة، والعدالة الانتقالية التي لا تكشف مكان الجثمان ليست عدالة، وإعادة الإعمار التي تزيل الركام دون توثيق طبقاته ومواقعه قد تتحول من عملية إعمار إلى عملية محو للأدلة. ولذلك، يجب اعتماد بروتوكول دولي لحماية مواقع المفقودين قبل إزالة الأنقاض، يتضمن التصوير والمسح الجغرافي والتوثيق الجنائي وأخذ العينات، ثم استخراج الرفات وفق قواعد الطب الشرعي وحفظها وربطها بقاعدة البيانات المركزية. وهذا ليس ترفاً تقنياً، بل شرط من شروط حفظ الحقيقة ومنع اندثار الأدلة.

الأهم أن تتحول عائلات المفقودين نفسها من متلقية للبيانات إلى شريك في صناعة الملف. فالعائلة تملك الصورة، والوثيقة، والذاكرة، وآخر مكالمة، وآخر موقع، وآخر شاهد، وهي ليست رقماً في قاعدة بيانات دولية. ولذلك، ينبغي إنشاء مكتب دولي لشؤون أسر المفقودين يقدم الاستشارات القانونية والنفسية، ويشرح مراحل البحث، ويمنح كل عائلة رقماً لملفها وحقاً في معرفة تطورات التحقيق. إن مفهوم الضحية في القانون الدولي لا ينتهي عند الشخص الذي فقد حياته، بل يمتد إلى الأسرة التي تتحمل تبعات الاختفاء وتعيش ما يسمى بالفقد الملتبس، حيث لا تستطيع أن تبدأ الحداد ولا تستطيع أن تتمسك بالأمل. وقد أكدت اللجنة الدولية أن عدم معرفة المصير قد يترك العائلات في معاناة تمتد لعقود.

في النهاية، فإن ملف المفقودين في غزة هو المعركة المؤجلة حول معنى الإنسانية نفسها. لقد عرف العالم بعد الحرب العالمية الثانية كيف يحول أنقاض أوروبا إلى مؤسسات، وكيف يحول جرائم الحرب إلى محاكم، وكيف يجعل من القانون الدولي لغة مشتركة للدول. ثم تعلم بعد البوسنة وكوسوفو وأمريكا اللاتينية والعراق وأوكرانيا أن اختفاء الإنسان يحتاج إلى مؤسسات للبحث والحقيقة والطب الشرعي والعدالة. فلماذا يراد لغزة أن تكون الاستثناء؟ إن القضية ليست كم جثماناً سيستخرج من تحت الركام، وإنما هل سيبقى الفلسطيني مجهول المصير لأن قاتله يملك الأرض والمعلومة والقوة السياسية، أم أن القانون الدولي سيستعيد بعضاً من هيبته ويقول إن الاحتلال لا يستطيع أن يمتلك الحقيقة كما يمتلك السلاح. غزة لا تطلب معجزة ولا تطلب من العالم إعادة الموتى إلى الحياة، وإنما تطلب الحد الأدنى من العدالة: أن يعرف كل إنسان أين انتهت حياته، وأن تعرف كل عائلة أين دفن أحباؤها، وأن يتحول المفقود من رقم غائب إلى اسم مثبت ورفات مستعاد وحقيقة موثقة ومسؤولية محددة. وعندما يصبح كشف مصير المفقودين شرطاً لأي تسوية سياسية وأي إعادة إعمار وأي شرعية دولية لأي ترتيبات جديدة، فإن السلام نفسه يتغير من صفقة لإدارة آثار الحرب إلى عقد أخلاقي وقانوني مع الضحايا. وهذا هو الاختبار الحقيقي لمجلس السلام وللمجتمع الدولي وللصليب الأحمر وللضمير العالمي كله.

شارك الخبر: