سياسات الاحتلال تفاقم الأزمة النقدية: فائض من الشيكل بالضفة وشح حاد في السيولة بقطاع غزة


هذا الخبر بعنوان "الاحتلال يعمق الاختلال النقدي.. فائض شيكل في الضفة وشح سيولة في غزة | فلسطين أون لاين" نشر أولاً على موقع فلسطين أون لاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه المواطنون مفارقة نقدية حادة فرضتها سياسات الاحتلال وإجراءاته التي تتحكم في حركة النقد والسيولة، تتمثل في نقص حاد في السيولة النقدية في قطاع غزة، مقابل تراكم فائض الشيكل في الضفة الغربية. ولا تقتصر المشكلة على اختلال توزيع السيولة، بل تتصل بجذر أعمق يتمثل في غياب نظام نقدي فلسطيني مستقل، نتيجة القيود التي يفرضها الاحتلال واعتماد الاقتصاد الفلسطيني على الشيكل الإسرائيلي، وهي عملة لا تملك المؤسسات الفلسطينية قرار إصدارها أو التحكم في تدفقها.
ويقول نضال شحرور، مواطن من الضفة الغربية، إن أزمة فائض الشيكل باتت تؤثر مباشرة على تعاملاته المالية، موضحًا أنه يحاول إيداع ما بحوزته من أموال في البنك، إلا أن المصرف يرفض في بعض الحالات استقبال النقد بالشيكل، بحجة وجود فائض في السيولة. ويضيف لصحيفة "فلسطين" أن هذه الأزمة تنعكس على قدرته على الإيداع والادخار، وتضع المواطنين أمام صعوبة في التعامل مع مدخراتهم النقدية، خصوصًا في ظل غياب بدائل عملية تتيح لهم إيداع أموالهم والاحتفاظ بها بأمان داخل النظام المصرفي.
وفي المقابل، يواجه أهالي قطاع غزة أزمة سيولة خانقة نتيجة القيود والإجراءات الإسرائيلية التي تعرقل إدخال النقد وتحد من عمليات استبدال العملات وتحويل الأموال، ما دفع المواطنين إلى الاعتماد بشكل متزايد على وسائل الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية لتلبية احتياجاتهم اليومية. إلا أن هذا التحول القسري نحو الدفع الرقمي لم يخلُ من مخاطر، إذ تقول المواطنة أسماء إن اضطرارها إلى التعامل بالوسائل الرقمية، في ظل محدودية الخبرة وضعف الوعي المالي والظروف الاقتصادية الصعبة التي فرضتها الحرب والحصار، جعلها عرضة لعمليات نصب واحتيال، خسرت على إثرها أموالًا تجاوزت 26 ألف دولار، ما زاد من حالة الخوف والقلق التي تعيشها.
وتكشف المفارقة أن أزمة السيولة الفلسطينية ليست مجرد خلل مصرفي عابر، وإنما نتيجة مباشرة لواقع اقتصادي ونقدي فرضه الاحتلال الإسرائيلي، حرم الفلسطينيين من امتلاك أدوات نقدية مستقلة للتحكم في السيولة، وترك اقتصادهم عرضة للاختلالات حادة بين منطقة وأخرى.
ظروف معقدة
يقول الباحث الاقتصادي د. سيف الدين عودة إن فلسطين ليست استثناءً من حالة التحول العالمي نحو رقمنة المدفوعات، فقد شهد القطاع المصرفي والمالي خلال السنوات الأخيرة توسعًا في خدمات الدفع الإلكتروني، إلى جانب إطلاق بنية تحتية حديثة لأنظمة المدفوعات بإشراف سلطة النقد، بهدف الحد من استخدام النقد والتحول نحو الدفع الإلكتروني. لكن عودة يوضح لصحيفة "فلسطين" أن التحول تزامن مع ظروف سياسية واقتصادية وأمنية معقدة جعلت الواقع النقدي الفلسطيني مختلفًا عن التجارب الدولية التقليدية، مؤكدًا أن رقمنة المدفوعات لا تعتمد على توفر التكنولوجيا فقط، وإنما تحتاج إلى بيئة اقتصادية ومؤسسية مستقرة تضمن استمرار الوصول إلى مختلف وسائل الدفع.
وتبرز هذه الخصوصية بصورة أكبر عند المقارنة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ ارتبطت التحديات في الضفة أساسًا بصعوبة ترحيل فائض الشيكل، في ضوء القيود المفروضة من الاحتلال على نقله إلى البنوك الإسرائيلية المراسلة، بينما يواجه القطاع أزمة معاكسة تتمثل في نقص وندرة السيولة النقدية. ويشير عودة إلى أن قطاع غزة يعاني منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023 من أزمة غير مسبوقة في السيولة النقدية، نتيجة منع إدخال السيولة النقدية، إلى جانب توقف عمليات السحب والإيداع في البنوك لفترات، الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوة بين الأرصدة الإلكترونية المتاحة للأفراد وقدرتهم الفعلية على الحصول على النقد واستخدامه في معاملاتهم اليومية.
انتقال مفاجئ وقسري
مع ندرة النقد، اضطر المواطنون إلى التحول نحو استخدام التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية، في وقت لم تكن فيه البنية التحتية للدفع الإلكتروني مكتملة بالشكل الكافي، ما جعل الانتقال مفاجئًا وقسريًا. ويشير عودة إلى أن هذه الظروف أدت إلى انتشار ما يعرف بـ"التكييش"، حيث اضطر المواطنون إلى دفع عمولات مرتفعة للحصول على النقد مقابل أرصدتهم الإلكترونية، تراوحت في بعض الفترات بين 30% و35%، ووصلت في بعض الحالات إلى نحو 50%.
ويبين عودة أن البنية التحتية للدفع الإلكتروني في غزة لم تكن مستكملة عند بداية الأزمة، لافتًا إلى إطلاق سلطة النقد نظام المدفوعات والحوالات الفوري بين البنوك وشركات خدمات الدفع "إيبراق" (IBURAQ) في أيار/مايو 2024، بوصفه خطوة عاجلة للتخفيف من وطأة أزمة السيولة النقدية في القطاع. وفي المقابل، شهدت الضفة الغربية إصدار قرار بقانون رقم (4) لسنة 2026 بشأن خفض استخدام النقد، في مسار لتوسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على النقد، وسط مطالبات ببحث إمكانية إصدار عملة فلسطينية مستقلة مستقبلاً للخروج من هذا المأزق النقدي.
سياسة
سياسة
عاجل
سياسة