قراءة تحليلية في المأساة الإنسانية: حين تغيب مشاهد القتل الحقيقية عن الصورة


هذا الخبر بعنوان "حين يغيب مشهد القتل عن الصورة | فلسطين أون لاين" نشر أولاً على موقع فلسطين أون لاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستعرض هذه القراءة التحليلية حدود القدرة "الإسرائيلية" على اختراق الأرض الفلسطينية ميدانيًا، في ظل تصاعد القصف وإطلاق النار المكثف الذي يستهدف مناطق عدة بغزة، إلى جانب تواصل الانتهاكات والاعتداءات مثل استشهاد مواطنة متأثرة بإصابتها بقصف إسرائيلي على المغازي، وإجبار مواطن على هدم منزله في جبل المكبر، فضلاً عن تحذيرات السفير الأمريكي من عواقب وخيمة لإرهاب المستوطنين في الضفة، وتظاهرة في فرنسا تضامنا مع فلسطين وتنديدا بالمجازر الإسرائيلية.
أحيانًا تكفي صورة لرضيع يرضع من أمه وفي الخلفية بندقية لتختصر حكاية حرب كاملة، ولحظة يصبح فيها الموت قريبًا فلا يبقى للإنسان سوى منح من يحب لحظة أمان. وتبقى غزة مرآة لعالم يتحدث عن حقوق الإنسان ثم يصمت حين يكون الإنسان فلسطينيًا، ويكفي أن ترى وجها يخرج من تحت الركام أو رضيعا في حضّانة تتوقف حياته على الكهرباء لتدرك كيف تفقد الحرب إنسانيتها.
في فيتنام عام 1972، عاشت نجويـن ثي تو، أو «الأخت تو»، قصة قاسية كامرأة أمة لأربعة أطفال وزوجة لأحد قادة المعارضة الفيتنامية، وحين اعتُقلت تعرضت للضرب والتعذيب لإجبارها على الإدلاء بمعلومات عن زوجها ورفاقه. تظهر الصورة الأخت تو وهي تحمل طفلتها التي لم تتجاوز عشرة أشهر وخلفها جندي أمريكي، لكن المشهد لا يمكن قراءته باعتباره لحظة إنسانية؛ فما إن انتهت الرضعة حتى انتُزعت الأم من طفلتها وقُتلت بالرصاص لتترك الصغيرة لتكمل حياتها وحيدة.
وفي غزة، لا تحتاج المأساة إلى صورة قديمة: هناك بيت تحول إلى ركام، مدرسة تُقصف بمن احتموا بها، سيارة إسعاف تتعرض للنيران، وطبيب يقف أمام عشرات المصابين بما لا يكفي من دواء أو معدات. وفي المستشفيات، تتعلق الحياة بمولد كهرباء وجهاز تنفس وحضّانة وغرفة عمليات، ثم يأتي أمر الإخلاء مسبوقًا بتحذير أحيانًا. لكن التحذير لا يصبح إنسانيًا لمجرد أنه سبق القصف؛ ماذا يفعل مريض لا يستطيع مغادرة سريره؟ وماذا يفعل رضيع في حضّانة؟ وماذا يفعل جريح خرج من غرفة العمليات؟
أما خارج المستشفيات، فتمتد طوابير النازحين وحقائب صغيرة تحمل ما تبقى من حياة وطرق يسلكها الناس بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، وبين الركام تبقى التفاصيل الصغيرة شاهدة على أصحابها: دفتر مدرسة، حذاء وحيد، دمية عالقة بين الحجارة، وصورة عائلية نجت من القصف أكثر مما نجا أصحابها. هذه ليست صورًا، إنها آثار حياة، فمن فيتنام إلى العراق ومن الحروب الأمريكية إلى الإبادة الإسرائيلية في غزة، كثيرًا ما جاءت اللغة نفسها: الأمن، الحرب على الإرهاب، حماية المدنيين، الدفاع عن النفس، وإنقاذ الشعوب؛ لكنها شعارات تخفي الألم.
وهنا تعود قصة الأخت تو، لا لأن التاريخ يتكرر حرفيًا، بل لأن قيمة الحياة واحدة، تتغير الشعارات والجيوش لكن الوجه القبيح للقتل لا يتغير. وهنا في غزة تتجسد المأساة ويخرج القتل من المشهد؛ جائعون يتوجهون إلى مراكز توزيع الغذاء الأمريكية بحثًا عن لقمة فإذا بمشهد المساعدة نفسه يتحول إلى ساحة قتل. فالقتل هو القتل، والرواية الإنسانية لا تمحو أثره، ولهذا تخفي بعض الصور كواليس الإبادة وتظهر فقط المكياج الذي تحاول الجيوش وضعه على وجه الحرب من ممرات إنسانية وإخراج السكان من مناطق القتال والتحذير قبل القصف وتقديم المساعدات.
قناع تبخر في غزة وفضح ستره حين أصبح القتل للتسلية والعالم يعصب عينيه، ففضحته غزة حين أصبح الممر طريقًا للنزوح والتحذير بابًا آخر للخوف والمساعدة مشهدًا يجاور الموت والصمت الدولي غطاءً يستمر فوق كل ذلك. لكن الضحايا هم الضحايا؛ فالطفل في فيتنام كان طفلًا، والطفل في العراق كان طفلًا، والطفل في غزة طفل أيضًا، يتغير المكان وتتغير السنوات وتتبدل الشعارات، لكن حين يصبح المدني محاصرًا بين الموت والعجز لا يعود السؤال: من انتصر؟ بل: أين ذهبت الإنسانية؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة