الحرب الخفية: كيف تستمر تبعات الصدمات النفسية والاجتماعية بعد توقف القصف؟


هذا الخبر بعنوان "الحرب التي لا تنتهي عندما يتوقف القصف | فلسطين أون لاين" نشر أولاً على موقع فلسطين أون لاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد الواقع الميداني استمرار الانتهاكات، حيث اغتال الاحتلال شابًا بعد محاصرة منزل في عقربا جنوب نابلس، مع تسجيل إصابتان بالرصاص وسط خروقات إسرائيلية لوقف إطلاق النار بغزة، بالتزامن مع أجواء حارة إلى شديدة الحرارة حتى الجمعة.
وفي سياق متصل، وصف نعيم تشكيل "مجمعات انتخابية" في الخارج بأنها مسرحية لأنظمة دكتاتورية، وهو موقف يتطابق مع رفض أكثر من مئتي شخصية التي خاطبت سفراء السلطة رفضا لـ "المجمعات الانتخابية". وعلى صعيد الانتهاكات الأكاديمية والحقوقية، جرى إبعاد 100 طالب فلسطيني من جامعات إسرائيلية بسبب انتقادهم الإبادة على غزة. وفي الشأن الأممي، ثمنت حماس تصريحات مقررة أممية حول رفات جثامين غزة، ودعت حماس "ميلادنوف" للقيام بدوره بدلا من التنصل، في وقت حذرت فيه مقررة أممية من أن رفات آلاف الضحايا في غزة مهددة بالطمس أو الضياع. أما على الجبهة الشمالية، فقد سجلت إصابة جنديين من لواء "جولاني" في اشتباك مع عنصر من حزب الله.
إن ما يحدث اليوم في شوارع غزة، وبين العائلات والناس، ليس منفصلًا عن سنوات الحرب الطويلة التي عاشها القطاع. إن كثيرًا من مظاهر التوتر والعنف والانفعال وسوء التعامل والتفكك الاجتماعي التي نراها أمامنا قد تكون واحدة من ثمرات الحرب وآثارها المتراكمة. فالحرب لا تقتل الناس فقط، ولا تدمر البيوت والشوارع والمؤسسات، بل تضرب شيئًا أعمق بكثير يتمثل في الإنسان من الداخل، والعلاقات بين الناس، والبنية النفسية والاجتماعية للمجتمع، وهي ربما تكون من أخطر الضرائب التي تدفعها المجتمعات بعد الحروب.
عند التساؤل عن سبب كره الدول للحروب، سنجد أن الإجابة أكبر بكثير من حجم الدمار المرئي؛ فالإدارات لا تخشى الحروب بسبب الخسائر العسكرية والاقتصادية فحسب، بل لأنها تدرك أن آثار الحرب قد تمتد لعشرات السنين وتنتقل من جيل إلى آخر. وحين يعيش الإنسان سنوات تحت القصف والخوف والجوع والفقدان والنزوح، فإنه لا يخرج من الحرب كما دخلها؛ قد ينجو جسده لكن ذاكرته تبقى محملة بالخوف، وقد يبقى المنزل قائمًا لكن الأسرة التي تسكنه تتغير، وقد يتوقف إطلاق النار لكن حالة الاستنفار النفسي تستمر.
وفي رد على سؤال لصحفي وجهه إلى بروفيسور متخصص في علم النفس الإكلينيكي حول موعد ظهور آثار الحرب وانعكاساتها النفسية والسلوكية، كانت الإجابة لافتة بأن هذه الآثار قد تظهر بعد يوم، أو شهر، أو سنة، أو حتى بعد عشرين عامًا، مستشهدًا بما ظهر لدى بعض الجنود الأمريكيين والفيتناميين من آثار لحرب فيتنام بعد سنوات طويلة.
إذن، الحرب لا تنتهي لحظة توقف الطائرات. فنحن نميل لقياس الحرب بعدد الشهداء والجرحى والمنازل المدمرة وهي أرقام مهمة لكنها لا تحكي القصة كاملة، فهناك خسائر لا تظهر في الصور؛ طفل شاهد منزل عائلته يُقصف، وأم فقدت أبناءها، وأب عاش سنوات وهو عاجز عن حماية أسرته، وشاب فقد مستقبله، وعائلة نزحت مرات عديدة، وإنسان عاش لا يعرف هل سيستيقظ في اليوم التالي أم لا. وكل هذه التجارب تترك أثرًا داخليًا يتحول مع التراكم إلى غضب، وعصبية، وانفعال، وعدم قدرة على تحمل الآخرين، وفقدان الثقة، وشعور دائم بالخطر.
في مجتمع يعيش أفراده التجربة نفسها بدرجات مختلفة، تصبح المشكلة أكبر ليصبح المجتمع بكامله جريحًا، وتبدأ مرحلة جديدة من الحرب بلا طائرات ولا صواريخ، بل حرب داخل البيوت وفي الشوارع والعلاقات الاجتماعية. ولهذا فإن ما نراه اليوم في غزة بين الناس والعائلات وفي الشوارع يجب ألا يُقرأ فقط باعتباره سلوكًا فرديًا أو ظاهرة عابرة، بل هو إنذار مبكر لما يمكن أن تفعله الحرب بالمجتمع إذا لم تعالَج آثارها النفسية والاجتماعية بجدية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة