الحرب الخفية: كيف تترك آلام القصف آثارها المدمرة على النفس والمجتمع في غزة؟


هذا الخبر بعنوان "الحرب التي لا تنتهي عندما يتوقف القصف | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
إن ما نلاحظه اليوم في شوارع غزة وبين العائلات والأفراد ليس بمعزل عن سنوات النزاع الطويلة التي تكبدها القطاع. إن مظاهر التوتر، والعنف، والانفعال، وسوء التعامل، والتفكك الاجتماعي الظاهرة للعيان تمثل حصادًا لسنوات الحرب وتبعاتها المتراكمة.فالحرب لا تقتصر على إزهاق الأرواح وتدمير المساكن والشوارع والمؤسسات فحسب، بل تطال جوهر الإنسان وبنيته الداخلية، إضافة إلى شبكة العلاقات الاجتماعية والنفسية للمجتمع، وتلك تعد من أثقل الفواتير التي تدفعها الشعوب بعد انتهاء المعارك.
يتساءل البعض عن سبب كره الدول للحروب، والإجابة تتجاوز بأضعاف حجم الخراب المرئي. فالحكومات لا تهاب الحروب بسبب الخسائر العسكرية والاقتصادية فحسب، بل لإدراكها أن تداعياتها تمتد لعقود وتنتقل بين الأجيال. وحين يقضي الفرد أعوامًا تحت وطأة القصف، والهلع، والجوع، والفقد، والنزوح، فإنه لا يغادر أتون الحرب بالشخصية نفسها التي دخل بها؛ فقد ينجو جسده بينما تبقى ذاكرته محاصرة بالخوف، وقد تبقى جدران منزله صامدة غير أن عائلته قد تغيرت، وقد تتوقف الغارات لكن حالة التأهب النفسي المستمرة تبقى أسيرة للزمن.
وفي سياق متصل، تلقى صحفي سؤالاً موجهًا لبروفيسور متخصص في علم النفس الإكلينيكي حول توقيت ظهور التداعيات النفسية والسلوكية للحروب على البشر، فجاءت الإجابة بأن هذه الآثار قد تتبدى بعد يوم، أو شهر، أو سنة، أو حتى بعد عقدين من الزمن، مشيرًا إلى أن بعض تبعات حرب فيتنام ظهرت جلية لدى عدد من الجنود الأمريكيين والفيتناميين بعد أعوام طويلة من إسكات الأسلحة.
وعليه، فإن الحرب لا تنتهي مجرد توقف الطائرات والمدافع؛ فنحن نميل عادة إلى حصر تأثيرات النزاع بعدد الشهداء والجرحى والبيوت المهدمة، وهي أرقام بالغة الأهمية غير أنها لا تختزل الحكاية كاملة. فهناك خسائر غير مرئية في الصور: طفل عاين قصف منزله، وأم ثكلى فقدت أبناءها، وأب عجز عن حماية عائلته طيلة سنوات، وشاب ضاع مستقبله، وعائلة تقطعت بها السبل في النزوح مرارًا، وإنسان عاش تحت هاجس الموت كل يوم. كل تلك التجارب تترك ندوبًا عميقة تتكثف تدريجيًا لتتحول إلى غضب، وعصبية، وعدم قدرة على الاحتمال، وفقدان للأثقال النفسية وضبط المشاعر.
وعندما يختبر المجتمع بأسره الظروف ذاتها بتفاوت، يصبح الجرح مجتمعيًا وشاملاً، وهنا تندلع جبهة أخرى بلا طائرات أو صواريخ، تتمثل في الحرب داخل المنازل والشوارع وبين النسيج الاجتماعي. من هنا، فإن المظاهر السلوكية الحالية في غزة لا ينبغي قراءتها كظواهر فردية عابرة، بل هي إنذار مبكر ومبكر جدًا لما تخلصه الحروب في المجتمعات إن لم تُعالج آثارها النفسية والاجتماعية بالجدية اللازمة.
سياسة
عاجل
تكنولوجيا
صحة