ما وراء شخصية رئيس الوزراء: لماذا يعد اختزال حرب غزة في نتنياهو هروباً من المساءلة الحقيقية؟


هذا الخبر بعنوان "نتنياهو ليس القصة كلها.. لماذا يخدم اختزال الحرب في رئيس الحكومة سردية الهروب من المساءلة؟" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تظهر بوضوح رواية تتبناها ماكينات إعلامية ومنصات ومراكز بحثية تفيد بأن ما يجري هو في الأساس مشروع بنيامين نتنياهو ومعه مجموعة من الوزراء المتطرفين في حكومته، وأنهما لا يمثلان إسرائيل ومجتمعها بل يشكلان انحرافًا مؤقتًا عن إسرائيل الحقيقية. وقد كتبت مارية محاجنة في الخميس، 10 سبتمبر 2026، أن السردية الإسرائيلية ارتدت منذ اليوم الأول للحرب على غزة فكرة واضحة تتمثل في وجود خطر حقيقي يتهدد إسرائيل، وما تفعله ليس سوى محاولة لاقتلاع هذا الخطر واستعادة الأمن عبر أهداف أعلنتها قيادة الحرب وفي مقدمتها القضاء على حركة غزة واستعادة الأسرى ونزع سلاح القطاع بالكامل.
لكن مع مرور الوقت، أصبح من الصعب حصر ما يجري في غزة داخل هذا الإطار، فالدمار الواسع والنزوح المتكرر والتهجير المستمر واستهداف البنية المدنية جعلت السؤال يتجاوز كيفية القضاء على حماس إلى سؤال أكثر جوهرية حول ما تريد إسرائيل فعله بغزة. وهنا برزت الرواية التي تركز على مشروع بنيامين نتنياهو والوزراء المتطرفين باعتبارهم انحرافًا، وهي رواية تحتاج إلى تدقيق لأن الإفراط في شخصنة السياسات غالباً ما يكون وسيلة للهرب من مواجهة البنى التحتية والفكرية التي أنتجت هذه السياسات. فالشرخ لا يبدأ حين يقال إن نتنياهو مسؤول عن قرارات حكومته، بل حين يتحول ذلك إلى تفسير شامل للحرب وتختزل دولة ومؤسسات وجيش وأحزاب ومجتمع في شخص رئيس الحكومة.
لا يعني تفكيك هذه السردية تغييب شخصية نتنياهو، فهو يحمل سمات سيكولوجية وفكراً أيديولوجياً راسخاً يجمع بين براغماتية المناور للبقاء السياسي وبين عقيدة أيديولوجية تنتمي إلى الصهيونية التعديلية. لكن خطورة الاكتفاء بتحليل شخصيته تكمن في فصله عن بيئته؛ فنتنياهو لم يفرض نفسه من فراغ بل نما في بيئة جرى التأسيس لها على مدى عقود، والقرارات الكبرى تصاغ داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية مثل الجيش والشاباك والموساد. كما شهد المناخ المجتمعي انزياحاً نحو القومية واليمين الديني وصعود التيار الاستيطاني كجزء أصيل من نسيج المؤسسات.
وتتجلى أبعاد هذا التحول المؤسسي في التوسع الاستيطاني المتسارع في الضفة الغربية وتصاعد اعتداءات المستوطنين المسلحين وتهجير التجمعات الرعوية تحت حماية رسمية، إلى جانب قوانين الطوارئ والملاحقات ضد الفلسطينيين في الداخل لمجرد التعبير عن الرأي. ومع ذلك، فإن المجتمع الإسرائيلي ليس صماً وبلا تناقضات، فالإجماع موجود على العناوين الأمنية بينما يتآكل تحت وطأة الانقسامات الاجتماعية وأزمة الخدمة العسكرية للحريديم. كما تستند المنظومة إلى غطاء دولي وإستراتيجي غربي تقوده الولايات المتحدة، لكنها تصطدم بواقع الميدان وصمود الشعب في غزة الذي يعيق قدرتها على تحويل الفائض العسكري إلى حسم سياسي ناجز.
إن أخطر ما في اختزال الحرب في شخص واحد هو خلق فخ إسرائيل الأخرى الذي يعفي المنظومة من المساءلة، والمفارقة أن هذه الرواية لقيت صدى واسعاً في الإعلام العربي كذلك. إن الانتقاد الحقيقي يجب أن يجيب عن الأسئلة الكبرى حول عقيدة الجيش والتحولات الديمغرافية والأحزاب، فنتنياهو ليس طارئاً بل هو المعبر عن مرحلة تاريخية ومؤسسية كاملة، والسؤال الحقيقي هو: ماذا تقول إسرائيل عن نفسها ومستقبلها من خلال نتنياهو؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة