تنويه
هذا الخبر بعنوان "غزة.. حين يصبح انتظار الغد معركة أخرى | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في غزة، لا يأتي الصباح كما يأتي في بقية المدن. تشرق الشمس فوق البحر، وتتحرك الحياة ببطء بين الأزقة والركام، لكن الضوء الذي يملأ السماء لا يستطيع أن يمحو عتمة ما تركته الحرب في الذاكرة. هنا، لا يبدأ الناس يومهم بسؤال عما سيحدث في المساء، بل بسؤال أكثر بساطة وأكثر قسوة: هل سيمر هذا اليوم بسلام؟
منذ أن تحولت غزة إلى مسرح مفتوح للحرب، تغير كل شيء تقريبًا. تغيرت ملامح المدن، وتبدلت أسماء الأماكن، واختفت بيوت كانت تحمل تفاصيل عائلات كاملة. لم تعد بعض الشوارع تعرف أصحابها، ولم تعد بعض البيوت قادرة على حماية من كانوا يسمونها وطنًا صغيرًا. وبينما تتحدث البيانات السياسية عن الهدنة والمفاوضات والخطط والاتفاقات، يعيش الناس في الجانب الآخر من المشهد تفاصيل لا تظهر كلها في المؤتمرات الصحفية؛ أم تبحث عن دواء لطفلها، أب يحمل ما تبقى من الطعام إلى أسرته، رجل يحاول إصلاح خيمة مزقتها الرياح، وطفل يقف أمام مكان كان يومًا مدرسته، محاولًا أن يتذكر شكل السبورة وصوت المعلم.
غزة اليوم ليست فقط أرضًا أنهكتها الحرب، بل مجتمع بأكمله يحاول أن يعيش فوق آثارها. فحتى عندما يهدأ صوت القصف، لا يعني ذلك أن الخوف يغادر. الحرب تترك وراءها نقصًا في الماء والطعام والدواء، وتترك مستشفيات تعمل تحت ضغط هائل، ومدارس فقدت وظيفتها، وطرقًا تحولت إلى مسارات بين الأنقاض. وفي كثير من الأحيان، يصبح الوصول إلى أبسط الاحتياجات اليومية رحلة طويلة، بينما يظل المستقبل معلقًا على أخبار تأتي من بعيد ولا يعرف الناس إن كانت ستمنحهم الطمأنينة أم تعيد إليهم الخوف من جديد.
الأصعب في المشهد أن الإنسان في غزة لم يعد يبحث عن حياة طبيعية بالمعنى الكامل للكلمة؛ إنه يبحث عن الحد الأدنى من الحياة. عن مكان آمن ينام فيه، عن مياه يمكن شربها، عن طعام يكفي الأسرة، عن دواء يصل في الوقت المناسب، وعن مدرسة يستطيع الطفل أن يعود إليها دون أن يحمل في ذاكرته صورًا من الحرب أثقل من حقيبته المدرسية.
وفي وسط هذا كله، يبقى الأطفال أكثر من يدفع ثمن هذه الحرب. الطفل الذي كان يفترض أن يعرف طريق المدرسة والملعب وبيت الجد والجدة، أصبح يعرف طريق المأوى والمستشفى ومراكز توزيع المساعدات. بعضهم كبر قبل أوانه، وبعضهم فقد أفرادًا من عائلته، وبعضهم فقد بيته، وبعضهم لم يعد يعرف معنى كلمة غد إلا بوصفها يومًا آخر ينتظر فيه ما لا يستطيع التحكم به. وليس أقسى من أن يصبح الخوف جزءًا من ذاكرة طفل قبل أن تتاح له فرصة أن يعرف معنى الأمان.
أما الأمهات، فيبدو أن الحرب أعادتهن إلى أبسط وأكثر صور القلق الإنساني قسوة. فالأم التي كانت تخاف على طفلها من المرض أو السقوط، أصبحت تخاف عليه من الجوع والقصف والنزوح والمرض وانقطاع العلاج. تحمل في ذهنها قائمة طويلة من الضروريات، لكنها تعرف أن كثيرًا منها قد لا يكون متاحًا. ولهذا أصبحت الحياة في غزة سلسلة متواصلة من الاختيارات المستحيلة: أي حاجة يمكن تأجيلها؟ أي دواء يمكن الاستغناء عنه؟ كيف يمكن تقسيم الطعام؟ وأين يمكن أن يجد الأطفال مكانًا ينامون فيه بعيدًا عن الخطر؟
وعلى الجانب الآخر من الصورة، يقف الأطباء والممرضون والمسعفون أمام واحدة من أصعب المهمات التي يمكن أن يواجهها الإنسان. يحاولون إنقاذ الأرواح في ظروف لا تشبه المستشفيات التي يعرفها العالم؛ نقص في المعدات والأدوية، ضغط متواصل، أعداد كبيرة من المصابين، وبنية صحية تعرضت لأضرار هائلة. ومع ذلك يستمرون في العمل، لأن التوقف في مثل هذه الظروف يعني أن عددًا آخر من الناس قد لا يحصلون حتى على فرصة للنجاة.
لكن غزة لا تعيش أزمة إنسانية فقط. إنها تعيش أيضًا أزمة مستقبل. فحتى لو توقف القتال تمامًا، سيبقى السؤال: ماذا بعد؟ كيف يعود الناس إلى بيوتهم إذا لم تعد البيوت موجودة؟ كيف تعود المدارس إذا كانت المباني مدمرة؟ كيف تستعيد المستشفيات قدرتها؟ كيف تعود المياه والكهرباء والخدمات؟ وكيف يمكن لجيل كامل نشأ وسط الحرب أن يستعيد إحساسه بأن الحياة يمكن أن تكون شيئًا آخر غير الخوف والانتظار.
لهذا تبدو إعادة إعمار غزة أكبر بكثير من عملية بناء حجارة الأسمنت. إنها محاولة لإعادة بناء حياة كاملة. بيت يعني أكثر من أربعة جدران، والمدرسة تعني أكثر من مقاعد وكتب، والمستشفى يعني أكثر من غرف وأجهزة. كل شيء يحتاج إلى أن يعود ومعه الإحساس الذي فقدته المدينة طوال سنوات الحرب: أن هناك مستقبلًا يمكن التخطيط له.
أخبار ذات صلة
سياسةمسيرات حاشدة في نيوزيلندا إحياءً لذكرى الحرب وتضامناً مع الشعب الفلسطيني
عاجلاستمرار الخروقات الإسرائيلية: 10 شهداء و65 مصابًا في غزة خلال 48 ساعة
تكنولوجياشركة ميتا تغلق حساب الصحفي الشهيد أنس الشريف على إنستغرام وتحجب أرشيفه الإعلامي
صحة
