كيف يمكننا إيجاد مفهوم جديد للتعافي والشفاء النفسي في ظل استمرار الحرب؟


هذا الخبر بعنوان "هل يمكن أن نُشفى داخل الحرب؟ إعادة تعريف التعافي | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الظروف المعتادة، يبدو مفهوم الشفاء واضحًا وبسيطًا؛ يمرض الإنسان ثم يتلقى العلاج المناسب لتزول الأعراض ويعود إلى ممارسة حياته الطبيعية. ولكن، ماذا يحل بالإنسان عندما تكون البيئة المحيطة به هي المصدر الدائم للخطر؟ كيف يمكن التعافي بينما يأتي انفجار جديد ليجدد مشاعر الخوف، أو يُفقد شخص عزيز قبل الانتهاء من الحداد على من رحلوا من قبل؟ هنا يبرز السؤال الأكثر تعقيدًا: هل يمكن أن نُشفى داخل الحرب؟ وربما يتطلب منا الأمر إعادة صياغة مفهوم التعافي من الأساس.
الشفاء لا يعني دائمًا العودة إلى ما كان عليه الحال في السابق؛ فالإنسان الذي فقد بيته أو شخصًا عزيزًا أو سنوات من عمره لا يستطيع العودة إلى نسخته القديمة بكل بساطة. وعليه، فإن مطالبة الفرد بأن "يعود كما كان" تعد مطالبة غير واقعية. إن التعافي في هذه الحالة قد يكمن في تعلم كيفية التعايش مع ما حدث، دون السماح له بسلب قدرتنا على مواصلة الحياة. من الخطأ الشائع توقع شعور النفس بالأمان في بيئة غير آمنة ومطالبة الفرد بالتفكير الإيجابي وتجاوز المحنة، فالأمان النفسي يحتاج أولاً إلى بيئة تدعمه، مما يجعل الوصول إلى "الشفاء الكامل" أمرًا صعبًا في زمن الحرب، وإن كان الوصول إلى درجات مقبولة من التعافي للاستمرار أمرًا ممكنًا.
قد يتجسد التعافي في أبسط التفاصيل؛ كأن يهنأ الإنسان بليلة نوم هادئة، أو يضحك دون الشعور بالذنب، أو يستعيد القدرة على التركيز والحديث عن فقيده دون الانهيار، أو يعود الطفل للعب ولو لوقت قصير، أو أن تجد الرغبة في التخطيط للغد. هذه الأفعال التي تبدو صغيرة في الظروف العادية، تمثل إنجازات نفسية كبرى في أوقات الحرب. كما أن التعافي لا يتطلب نسيان الذكريات المؤلمة، فالعلاقة مع الذكرى هي التي تتغير من كونها أداة لإسقاط الإنسان في الماضي إلى جزء مؤلم من قصته يستطيع حمله والمضي قدمًا.
إن رحلة التعافي ليست خطًا مستقيماً؛ فقد يشعر الإنسان بالتحسن ثم تعود المشاعر بقوة إثر خبر أو ذكرى، ليظن أنه عاد لنقطة الصفر، غير أن هذا التذبذب يعد أمرًا طبيعيًا في البيئات المضطربة. وفي غزة، يعد التعافي مسؤولية جماعية تشمل الأسرة والمجتمع والخدمات الصحية والنفسية وتوفير بيئة تحترم الكرامة. وفي الوقت ذاته، يجب الحذر من تحول مفهوم الصمود إلى عبء يفرض على الأفراد طوال الوقت، فمن حق الإنسان أن يتعب وأن يعترف بحاجته للمساعدة.
في النهاية، قد لا يكون الهدف الوصول إلى حالة مثالية من الهدوء، بل الحفاظ على القدرة على الحياة، وحماية الأطفال، وصيانة العلاقات، وترك مساحة للفرح والتعبير عن الألم دون دفنه. إن الشفاء في مثل هذه الظروف هو ألا نخرج من الحرب وكأن شيئًا لم يكن، بل أن نخرج منها حاملين في داخلنا دليلاً على أننا لم نفقد إنسانيتنا بالكامل، وأن نتعلم كيف نحيا حتى قبل أن تنتهي الحرب.
سياسة
عاجل
تكنولوجيا
صحة