هندسة التجويع الرقمي: حرب الاحتلال الخفية على السيولة النقدية في قطاع غزة


هذا الخبر بعنوان "هندسة التجويع الرقمي | فلسطين أون لاين" نشر أولاً على موقع فلسطين أون لاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه فضل ياسين الحرب بإعاقة بصرية وخيمة لا تقيه الشمس، بينما تصارع يارا، وهي طفلة بمتلازمة داون، اللوكيميا في غزة وسط الحصار. وفي سياق متصل، أفاد نادي الأسير بأن بن غفير يهدد الأسير حسن سلامة بالقتل والإعدام داخل زنزانته، كما أثقل رحيل الشرطي مشتهى ونجله أحمد حياة الأم وابنيها بعد أيام قليلة فصلت بين استشهادهما.
وعلى صعيد الانتهاكات، تقدمهم كاتس وبن غفير، حيث اقتحم 1271 مستوطنًا الأقصى وأدوا طقوسًا تلمودية. وأكدت لجنة الأسرى والأهالي أن بن غفير يحوّل سجون الاحتلال إلى ساحات للتهديد والقتل، في حين تحذر بلدية غزة من أن 230 مبنى آيلًا للسقوط، مع إخلاء كامل لطاقم مستشفى كمال عدوان مع تقدم آليات الاحتلال نحو المستشفى. وفي المقابل، استعاد 50 طفلًا الأمل بالسمع في غزة، وفي ذكرى انتفاضة الأقصى، أكدت حماس أن بوصلتها ثابتة نحو تحرير الأرض والمقدسات.
مر قطاع غزة بمحطات قاسية عبر تاريخه الطويل، لكن الأزمة الحالية التي تعصف به تتخذ طابعا فريدا ومبتkرا في استهداف عصب الحياة اليومية للمواطن. لم يعد الأمر مقتصرا على الحصار المطبق ونقص السلع الأساسية، بل امتد ليحكم الطوق عبر المال، إذ بات المواطن الغزي يواجه كابوسا جديدا متمثلا في رفض المحلات والتجار التعامل بالسيولة النقدية الكاش، وفرض التداول حصريا عبر التطبيقات البنكية والمحفظات الإلكترونية.
إن شح السيولة النقدية في قطاع غزة نتاج ممنهج ومتعمد من الاحتلال الإسرائيلي، الذي قطع شريان الإمداد النقدي ومنع وصول الأموال الورقية إلى البنوك الفلسطينية. ولكن الخطير في الأمر هو تحول هذا النقص إلى واقع قسري، إذ وجد التجار أنفسهم مجبرين على الاعتماد المطلق على التطبيقات ورفض تداول الأوراق النقدية بين أيدي المواطنين.
في مفارقة تعكس عمق الأزمة، كان التجار خلال فترات الحرب الشرسة على غزة يستقبلون أموال التطبيقات والتحويلات الإلكترونية مقابل عمولة إضافية نظرا لشح الكاش وحاجة السوق الملحة، أما اليوم فقد انقلبت الآية وأصبح عدد كبير من التجار والمحال التجارية يرفضون تسلم الكاش الورقي بشكل قاطع أو يفرضون عمولات مبالغ فيها لمن يحاول الدفع به، مما أدى لحصر التداول في المحافظ الإلكترونية وحدها ودخول الأسواق في نفق مظلم من الشلل التجاري.
ورراء هذا الواقع تختبئ أهداف خبيثة تهدف إلى التلاعب بأموال المواطنين وسرقة قدرتهم الشرائية، وتجميد الأموال في أي لحظة تحت مبررات واهية تحكمها المزاجية الأمنية والسياسية للاحتلال وعملائه، فضلا عن السعي للتحكم المطلق بحركة الفرد وتحويله إلى رقم أصم في نظام رقمي مسلوب الإرادة يفقد فيه المواطن حق التصرف بماله الخاص.
إن الاعتماد الكلي على المحافظ الإلكترونية وتطبيقات الدفع الرقمي المختلفة في وجود بيئة سياسية وأمنية هشة كغزة يشبه السير على حبل مشدود وسط نفق مظلم. يوما ما قد نتفاجأ جميعا بأن بوابات الدخول إلى هذه المحافظ والتطبيقات أصبحت مغلقة، ولن تجدي نفعا أي مناشدة لإدارة بنك فلسطين أو لأي بنك محلي آخر، ولن تستطيع أي محفظة رقمية معالجة الكارثة، إذ يمكن لقرار فردي طارئ من وزير المالية الإسرائيلي أو أي جهة أخرى تتحكم بالبنية التحتية والاتصالات إيقاف هذه التطبيقات بجرة قلم لتتوقف الحياة الاقتصادية تماما.
وأمام هذا المنعطف الخطير، تقع مسؤولية تاريخية ووطنية كبرى على عاتق الجهات الرسمية والمسؤولين والمحللين الاقتصاديين والوجهاء والمخاتير والمجتمع، لتكثيف الحملات التوعوية وتحذير المواطنين والتجار من مغبة الانزلاق الكامل خلف هذه الخديعة الاقتصادية وحماية ما تبقى من سيولة نقدية بأيديهم لقطع الطريق أمام كارثة مقبلة.
سياسة
عاجل
عاجل
تكنولوجيا