كيف يفرض المستوطنون نفوذاً سياسياً يفوق حجمهم الانتخابي في إسرائيل؟


هذا الخبر بعنوان "لماذا يتجاوز نفوذ المستوطنين حجمهم الانتخابي؟ - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يتقدم المستوطنون في الضفة الغربية من موقعهم التقليدي كقاعدة انتخابية لليمين القومي والديني إلى موقع أكثر تأثيراً في معادلة تشكيل الحكومة المقبلة. فوزنهم لا يُقاس فقط بعدد أصواتهم، وإنما بقدرتهم على التأثير في الأحزاب، وتحديد اتجاهات اليمين، وفرض قضايا الاستيطان والسيادة على الضفة الغربية في قلب المنافسة الانتخابية.
وهنا تكمن المفارقة: المستوطنون ليسوا كتلة انتخابية قادرة بمفردها على تحديد هوية رئيس الوزراء، لكنهم يمتلكون نفوذاً سياسياً يفوق وزنهم العددي، لأن النظام الانتخابي الإسرائيلي القائم على التمثيل النسبي يجعل الأحزاب الصغيرة حاسمة في تشكيل الائتلافات. وفي انتخابات تتوقع استطلاعات الرأي أن تكون شديدة التقارب، يمكن لعدد محدود من المقاعد أن يصنع الفارق بين حكومة وأخرى.
أقلية ذات تأثير مضاعف تُظهر أحدث البيانات أن عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، باستثناء القدس تجاوز 540 ألفاً في مطلع 2026. وإذا أضيف المستوطنون في شرقي القدس، فإن الرقم يتجاوز 770 ألفاً. وتشير بيانات أخرى إلى أن المستوطنين يشكلون نحو 18% من سكان الضفة الغربية إذا احتُسبت شرق القدس ضمن المعطيات.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن جميع المستوطنين يصوتون بالضرورة للأحزاب الأكثر تطرفاً، ولا أن سكان المستوطنات يشكلون كتلة سياسية متجانسة. فالمستوطنات تضم شرائح مختلفة، بينها أيديولوجيون قوميون ودينيون، وأعداد كبيرة من اليهود الحريديم الذين انتقل كثير منهم إلى المستوطنات لأسباب اقتصادية تتعلق بانخفاض أسعار السكن. وهذا التفصيل مهم سياسياً؛ إذ إن القوة الانتخابية الأكثر تأثيراً ليست بالضرورة مجموع سكان المستوطنات، وإنما النواة الأيديولوجية المنظمة التي تجعل من الاستيطان والسيطرة على الضفة قضية انتخابية مركزية.
وتشير تحليلات إسرائيلية إلى أن المستوطنين الأيديولوجيين يمثلون القاعدة الأكثر التزاماً للمشروع الاستيطاني، بينما لا يمكن افتراض أن جميع سكان المستوطنات يتعاملون مع الانتخابات بالطريقة نفسها. ويتجاوز نفوذ المستوطنون حجمهم الانتخابي بسبب موقعهم داخل بنية اليمين الإسرائيلي. فالمستوطنون لا يذهبون إلى الانتخابات كجمهور منفصل، بل يعملون من خلال شبكة من الأحزاب والمنظمات والمجالس المحلية ومجموعات الضغط. وقد نجح التيار الاستيطاني خلال السنوات الأخيرة في نقل أجندته من الشارع إلى قلب مؤسسات الدولة.
وتجسد ذلك بصورة خاصة في صعود المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي جاء من قلب الحركة الاستيطانية وأصبح وزيراً للمالية، إلى جانب توليه صلاحيات مؤثرة في الإدارة المدنية في الضفة الغربية. كما أصبح المتطرف إيتمار بن غفير، زعيم «القوة اليهودية»، أحد أهم أقطاب الحكومة وأكثر الأساسي هو موقعهم داخل بنية اليمين الإسرائيلي. وهذا التحول يغير قواعد اللعبة. فالحكومة لم تعد تتعامل مع الاستيطان باعتباره مطلباً لجمهور انتخابي يمكن تجاهله عند الضرورة، بل أصبح جزءاً من سياسة رسمية تنفذها مؤسسات الدولة.
المستوطنون صانعي ائتلاف أهم ما يمنح المستوطنين وزنهم السياسي هو طبيعة النظام الانتخابي الإسرائيلي. إسرائيل لا تنتخب رئيس الوزراء في اقتراع مباشر، وإنما ينتخب الناخبون 120 عضواً في الكنيست وفق نظام التمثيل النسبي، ثم تتشكل الحكومة من خلال ائتلاف قادر على الحصول على ثقة 61 نائباً على الأقل. وهذا يجعل الأحزاب الصغيرة ذات الاتجاهات الأيديولوجية الحادة أكثر أهمية مما يوحي به حجمها الانتخابي.
فإذا حصل حزب يمثل التيار الديني القومي على بضعة مقاعد فقط، قد يجد نتنياهو نفسه مضطراً إلى التعامل معه إذا كانت هذه المقاعد ضرورية للوصول إلى عتبة الـ61. والعكس صحيح: إذا فشل حزب يميني صغير في تجاوز نسبة الحسم، فقد تضيع أصواته ويصبح تشكيل حكومة يمينية أكثر صعوبة. وهذا بالضبط ما يجعل معركة سموتريتش الانتخابية الحالية مهمة بالنسبة إلى نتنياهو، وليس فقط بالنسبة إلى المستوطنين. فحزب «الصهيونية الدينية» يواجه خطر عدم تجاوز نسبة الحسم وفق تقديرات واستطلاعات حديثة، بينما يحاول سموتريتش الحفاظ على قاعدته داخل المستوطنات واليمين الديني.
وقد أثار موقفه من قضية إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية غضباً في أوساط من قاعدته الاستيطانية، ما دفع بعض مؤيديه السابقين إلى التشكيك في التزامه بمصالحهم.
المستوطنون يفرضون أجندتهم على نتنياهو النفوذ لا يظهر فقط في صناديق الاقتراع، بل قبل الانتخابات بوقت طويل. عندما يهدد حزب يميني بالانسحاب من الحكومة إذا لم تتقدم عملية الاستيطان أو إذا اتجهت الحكومة نحو تسوية سياسية مع الفلسطينيين، فإن تأثيره يتجاوز عدد نوابه. لذلك أصبح نتنياهو أمام معادلة صعبة: كل تنازل للوسط السياسي قد يخسره جزءاً من قاعدته اليمينية، وكل تنازل لليمين الاستيطاني قد يزيد صعوبة جذب الناخبين الوسطيين.
وتشير استطلاعات حديثة إلى وجود انقسام داخل الليكود نفسه؛ إذ يفضل غالبية ناخبي الحزب حكومة أكثر اعتدالاً، بينما يميل أعضاء الحزب إلى استمرار الائتلاف الحالي ذي الطابع اليميني المتشدد. كما أن نحو 20% من الناخبين ما زالوا مترددين، ما يجعل قدرة نتنياهو على التوفيق بين قاعدته اليمينية والناخبين الوسطيين عاملاً حاسماً في الانتخابات.
من جمهور إلى مركز قوة التحول الأهم الذي حدث خلال السنوات الأخيرة هو أن المستوطنين لم يعودوا مجرد جمهور ينتظر ما تقرره الحكومة. لقد أصبح لديهم وزراء، ومؤسسات، وشبكات ضغط، وحضور قوي داخل أحزاب اليمين، وقدرة على تحريك النقاش السياسي حول مستقبل الضفة الغربية. وهذا لا يعني أن المستوطنين يتحكمون في إسرائيل، لكنه يعني أن أي رئيس وزراء يريد تشكيل حكومة يمينية مستقرة مضطر إلى حساب رد فعلهم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة