فلسطين
سياسة

في الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى: حرب غزة تكشف حدود الهيمنة الأميركية وتسرّع التحولات نحو تعدد الأقطاب

شهاب١٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠١:١٧ ص0 مشاهدة
في الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى: حرب غزة تكشف حدود الهيمنة الأميركية وتسرّع التحولات نحو تعدد الأقطاب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تقرير في الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى.. حرب غزة تكشف حدود الهيمنة الأميركية وتسرّع تعدد الأقطاب | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد مرور ثلاث سنوات كاملة على عملية طوفان الأقصى التي انطلقت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مثّلت حرب غزة اختباراً حقيقياً وواسع النطاق لنفوذ الولايات المتحدة ومدى قدرتها على إدارة منظومة العلاقات الدولية. وقد امتدت التداعيات العميقة لهذا الصراع لتشمل المؤسسات القضائية الدولية والمحاكم والأمم المتحدة، إضافة إلى الرأي العام العالمي، مما دفع العديد من الدول والقوى المتوسطة إلى اتخاذ مواقف وأدوات ضغط تمتاز بقدر أكبر من الاستقلال عن الإدارة في واشنطن.

وفي ظل احتفاظ الولايات المتحدة بموقعها كقوة عسكرية وسياسية بارزة، كشفت مواقف مجلس الأمن والمحاكم الدولية ونتائج استطلاعات الرأي عن تراجع واضح في قدرتها على الإقناع، مع اتساع الفجوة القائمة بين نفوذها المادي وشرعيتها السياسية. وفي هذا السياق، أوضح المحلل السياسي صادق أبو عامر أن أحداث السابع من أكتوبر لم تتسبب في إسقاط الهيمنة الأميركية ولم تُنهِ نظام القطب الواحد بشكل كامل، إلا أنها ساهمت في تسريع مسارات تحول دولي كانت قد انطلقت قبل اندلاع الحرب، وكشفت عن الحدود الفعلية لقدرة الولايات المتحدة على إدارة النظام العالمي باستخدام القوة والنفوذ المنفردين.

وأضاف أبو عامر، خلال حديثه لوكالة شهاب، أن حرب غزة أفرزت أزمة حقيقية تتعلق بمصداقية النظام الدولي نفسه، لا سيما بعد أن لمس قطاع واسع من شعوب العالم تفاوتاً ملحوظاً في مدى تطبيق قواعد القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان، مشيراً إلى أن هذه التداعيات انعكست بشكل جلي على مواقف دول الجنوب العالمي تجاه كل من الولايات المتحدة والغرب.

من جانبها، أشارت دراسة أجرها «مشروع كلفة الحرب» في جامعة براون إلى أن إجمالي قيمة المساعدات العسكرية الأميركية الموجهة إلى إسرائيل وصل إلى 21.7 مليار دولار خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وسبتمبر/أيلول 2025. وفي السياق ذاته، أفاد معهد ستوكهولم لأبحاث السلام بأن الولايات المتحدة كانت المصدر لنحو 68% من واردات إسرائيل من الأسلحة الرئيسية بين عامي 2021 و2025.

وقد عمدت واشنطن إلى استخدام حق النقض (الفيتو) داخل مجلس الأمن لتعطيل مشاريع قرارات دعت إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة، فضلاً عن تصويتها ضد الطلب الفلسطيني للحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وفقاً لما وثقته السجلات الرسمية لمجلس الأمن والتي نقلتها مصادر إعلامية دولية. ويرى أبو عامر أن هذه المواقف أثبتت جلياً أن الولايات المتحدة لم تلعب دور الوسيط النزيه أو المحايد في النزاع، بل كانت طرفاً أساسياً ومباشراً فيه، وهو ما أدى إلى إضعاف صورتها أمام قطاعات واسعة من شعوب العالم، وفتح باب الشكوك حول مدى صلاحية النظام الدولي بقيادة القوى الكبرى لفرض قواعده العادلة على الجميع دون استثناء.

وعلى صعيد الميدان والشرعية، أثبتت وقائع المواجهة أن واشنطن ما زالت تمتلك أدوات الضغط على إسرائيل وإجبارها على القبول بوقف إطلاق النار متى ما اتخذت القرار بذلك، غير أن مسار تنفيذ الترتيبات السياسية ظل محدود الفاعلية، بحسب تقييم مجموعة الأزمات الدولية لتطورات الهدنة. ويؤكد أبو عامر أن الولايات المتحدة تحتفظ بمكانتها كقوة قادرة على إحداث فعل عسكري حاسم وفرض بعض النتائج، لكنها تدفع مقابل ذلك أثماناً باهظة ومتصاعدة تتصل بمدى شرعيتها ومستوى الثقة الدولية بها.

وفي الاتجاه الموازي، أصدرت محكمة العدل الدولية أوامر تقضي باتخاذ تدابير مؤقتة في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، فضلاً عن إصدارها رأياً استشارياً يؤكد عدم شرعية استمرار الاحتلال. وعلى الصعيد ذاته، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت بناءً على البيانات الصادرة عنها. ورغم ذلك، ظلت آليات تنفيذ هذه القرارات والإجراءات محدودة النطاق، بالتزامن مع فرض الولايات المتحدة لعقوبات طالت مسؤولين عاملين في المحكمة الجنائية الدولية وعددًا من المقررين الأمميين، وفقاً للبيانات الرسمية للمحكمتين والجهات ذات الصلة.

ويشير أبو عامر إلى أن هذه المعطيات عمّقت الهوة بين ما تقرره الهيئات القضائية الدولية وما تنجح القوى الكبرى في فرضه على أرض الواقع. وفي غضون ذلك، نجحت دول مثل الصين وروسيا في تعزيز حضورها ضمن الخطاب الدبلوماسي الدولي المتعلق بالحرب، في حين تحركت قوى متوسطة مستخدمةً آليات قانونية وسياسية واقتصادية متعددة؛ حيث قادت جنوب أفريقيا مسار دعوى الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية وسط انضمام دول إضافية للقضية، واتخذت تركيا والبرازيل وماليزيا وإسبانيا تدابير متباينة مناهضة لإسرائيل أو مساندة للحقوق الفلسطينية. كما سجل عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين ارتفاعاً ليصل إلى 157 دولة من إجمالي 193 دولة، استناداً لبيانات منظمة الأمم المتحدة.

وشهد الموقف الغربي حالة من الانقسام الظاهر إثر إقدام دول أوروبية على الاعتراف بدولة فلسطين، رغم أن آليات الضغط الفعلية على إسرائيل ظلت محدودة وقابلة للتراجع. وشدد أبو عامر على أن تلك التحولات لا تعني بالضرورة بروز قطب دولي جديد يحل محل الولايات المتحدة بشكل كامل، مبيناً أن مسار الانتقال نحو عالم أكثر تعددية كان قد انطلق قبل تاريخ السابع من أكتوبر نتيجة لصعود قوى دولية وإقليمية جديدة، لتأتي الحرب وتعمل على تسريع وتيرة هذا الانتقال مع تعرية حدود النفوذ الأميركي.

وفيما يخص تراجع المكانة الأميركية، أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز «بيو» في شهر يونيو/حزيران 2026 أن نحو 37% فقط من المشاركين في 36 دولة يحملون نظرة إيجابية تجاه الولايات المتحدة، في حين بلغت نسبة الآراء السلبية حيالها 57%. كما أظهر الاستطلاع ذاته أن نسبة النظرة السلبية تجاه إسرائيل وصلت إلى 67%. أما داخل الولايات المتحدة، فقد بيّن استطلاع لمؤسسة «غالوب» في فبراير/شباط 2026 أن نسبة المواطنين المتعاطفين مع الفلسطينيين بلغت 41% مقابل 36% لمن أبدوا تعاطفهم مع الإسرائيليين، مسجلةً تبايناً أكبر بين فئات الشباب وأعضاء الحزب الديمقراطي.

ويربط أبو عامر هذه التغيرات باستمرار الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل، معتبراً أن هذا النهج قوض قدرة واشنطن على تقديم نفسها كجهة مدافعة عن القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان، وسلب النظام الدولي الذي تقوده جانباً كبيراً من شرعيته الأخلاقية والسياسية.

وعن دور القضية الفلسطينية في هذه المرحلة، يرى أبو عامر أن القضية عادت لتتصدر واجهة الاهتمام والنقاش الدولي طوال السنوات الثلاث الماضية، ولكن ليس بالضرورة بالشكل الذي يطمح إليه الفلسطينيون أنفسهم. ويؤكد أن التحدي الأساسي لا يتمثل في مجرد الاحتفال بانحسار الهيمنة الأميركية، بل في كيفية استثمار التعاطف الدولي والفرص القانونية والدبلوماسية وتحويلها إلى مكتسبات ملموسة على الأرض. ويختتم بالتأكيد على أن الفلسطينيين مطالبين بألا يبقوا مجرد مادة تفاعلية في مسار التحولات الدولية، بل يحق لهم بناء مشروع وطني موحد، ومؤسسات تمثيلية تتسم بفعالية أكبر، ورؤية سياسية قادرة على حماية حقوقهم في خضم صياغة النظام الدولي الجديد.

شارك الخبر: