معضلة الصناعة في غزة: تحديات التعافي وتآكل القدرة الإنتاجية


هذا الخبر بعنوان "مقال: الصناعة الغزية ورهان التعافي - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
11 أكتوبر 2026. الساعة: 01:11 م
أحمد أبو قمر
لا تكمن خسارة القطاع الصناعي في غزة في المصانع التي دمرت خلال الحرب فحسب، وإنما في تآكل قدرة الاقتصاد على الإنتاج وتوفير فرص العمل وتوليد الدخل. فالصناعة ليست مجرد مباني وآلات، وإنما سلسلة مترابطة تبدأ بالمواد الخام والطاقة والعمالة وتنتهي بمنتج يصل إلى السوق. وعندما تتعطل هذه السلسلة، يصبح إعادة تشغيل المصنع أكثر تعقيداً من إعادة بناء جدرانه.
وتكشف المؤشرات حجم الأزمة، إذ أفاد تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" الصادر في سبتمبر/أيلول 2026 بتضرر أو تدمير نحو 92% من المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة، فيما انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة 94% مقارنة بمستويات عام 2022. وتعكس هذه الأرقام انهياراً في قاعدة الإنتاج، لا مجرد تراجع مؤقت في النشاط الاقتصادي.
وكان القطاع الصناعي يعاني قبل الحرب من الحصار ونقص الكهرباء وصعوبة إدخال المواد الخام وضعف الاستثمار. لكن الحرب نقلته إلى مرحلة مختلفة بعدما دمرت منشآت ومعدات وخطوط إنتاج وقطعت الصلة بين المصانع ومورديها وأسواقها. ووفق التقييم المشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، بلغت أضرار قطاع التجارة والصناعة نحو 6.35 مليارات دولار.
ويعني ذلك أن استئناف الإنتاج يحتاج إلى تمويل يتجاوز كلفة البناء، فالمصنع الذي يستعيد مبناه دون آلات أو كهرباء أو مواد خام لن ينتج، والمنشأة التي تمتلك المعدات دون رأس مال عامل لن تستطيع شراء مستلزمات التشغيل أو دفع أجور العمال. لذلك، فإن التعافي الصناعي عملية متكاملة تتطلب إعادة تأهيل الأصول الإنتاجية وتوفير شروط تشغيلها.
وتبرز هنا مشكلة أخرى، تتمثل في تراكم الالتزامات المالية على أصحاب المصانع خلال فترة التوقف مقابل غياب الإيرادات. وكلما تأخر استئناف النشاط، تراجعت قدرة المنشآت على تمويل عودتها، حتى عندما تكون الأضرار المادية قابلة للإصلاح.
ولا يمكن للاقتصاد في غزة أن يتعافى اعتماداً على دخول السلع والمساعدات وحدها، فالتجارة توفر احتياجات السوق، لكنها لا تعوض الإنتاج المحلي ولا تخلق بالضرورة فرص عمل مستدامة. أما إعادة تشغيل المصانع، فتساعد على تحريك قطاعات أخرى مثل النقل والخدمات والتوريد والإنشاءات وتعيد جزءاً من الدخل إلى الأسر.
ومن هنا، ينبغي أن تتقدم إعادة تأهيل المنشآت الصناعية ضمن أولويات التعافي، مع منح الأولوية للمصانع القابلة للتشغيل سريعا وتوفير تمويل ميسر للآلات ورأس المال العامل، وضمان دخول المواد الخام وقطع الغيار والوقود وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والطرق. كما أن دعم الصناعات الإنشائية يمكن أن يربط بين التعافي الصناعي وإعادة الإعمار عبر توفير بعض مواد البناء محلياً وتقليل الاعتماد على الاستيراد، متى سمحت الظروف بذلك.
لكن نجاح هذه الخطوات يظل مرتبطاً بفتح مستدام للمعابر وتخفيف القيود على التجارة والإنتاج إلى جانب توفير ضمانات لحماية المنشآت والمناطق الصناعية، فالمصانع لا تستثمر في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار.
عاجل
سياسة
صحة
عاجل