فلسطين
سياسة

تصعيد ومخاوف استراتيجية.. لماذا تخشى إسرائيل النفوذ التركي المتصاعد في سوريا؟

الرسالة١٩ آب ٢٠٢٦ في ٠٢:٤١ م0 مشاهدة
تصعيد ومخاوف استراتيجية.. لماذا تخشى إسرائيل النفوذ التركي المتصاعد في سوريا؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "توتر وتصعيد مستمر.. لماذا تخشى إسرائيل التواجد التركي في سوريا؟ - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

19 اغسطس 2026. الساعة: 05:20 م الرسالة نت - خاص

لم يعد الحضور التركي في سوريا بالنسبة إلى إسرائيل مجرد ملف إقليمي يمكن احتواؤه عبر التفاهمات السياسية، بل يتحول تدريجيا إلى مصدر قلق أمني واستراتيجي متعدد المستويات. فمع سعي أنقرة إلى لعب دور رئيسي في إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، وتدريب وتسليح الجيش الجديد، تزداد المخاوف الإسرائيلية من أن تتحول سوريا إلى ساحة نفوذ تركي عسكري وسياسي واقتصادي طويل الأمد، بما يحد من حرية الحركة الإسرائيلية ويعيد تشكيل موازين القوى على حدودها الشمالية.

وتأتي هذه المخاوف في وقت تشهد فيه الساحة السورية تحولات متسارعة، منذ تولي الإدارة السورية الجديدة السلطة، بالتزامن مع تصاعد العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية ومحاولات الاحتلال فرض ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، ومنع إعادة بناء قدرات عسكرية سورية يمكن أن تشكل، مستقبلا، تحديا للوجود الإسرائيلي في الجولان ومحيطه.

في هذا السياق، تكتسب الغارة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب أهمية سياسية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فالمطار يقع على مسافة قريبة جدا من الحدود التركية، واستهدافه جاء في توقيت حساس يتزامن مع تحركات تركية وأمريكية بشأن مستقبل سوريا، ومساعٍ لإعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية.

كما يمكن قراءة الغارة باعتبارها رسالة إلى أكثر من طرف الأول دمشق، بأن إعادة بناء القدرات العسكرية السورية لن تكون مسألة سهلة؛ والثاني أنقرة، بأن إسرائيل تراقب عن كثب أي توسع في البنية العسكرية التركية داخل سوريا؛ والثالث واشنطن، بأن إسرائيل لا تريد أن تكون التفاهمات الأمريكية التركية بشأن سوريا على حساب مصالحها الأمنية.

ومن هذه الزاوية، فإن الضربة قد تكون جزءا من سياسة إسرائيلية تقوم على اختبار حدود ردود الفعل التركية والسورية والأمريكية، بدلا من انتظار اكتمال ترتيبات إقليمية جديدة يصعب تغييرها لاحقا.

الدفاع الجوي.. جوهر المخاوف الإسرائيلية

يبرز البعد العسكري في مقدمة أسباب القلق الإسرائيلي من الوجود التركي. فالتقارير المتداولة عن احتمال إنشاء قواعد أو نقاط عسكرية تركية في مناطق سورية، ونشر منظومات دفاع جوي، تثير مخاوف تل أبيب من تغير البيئة العملياتية التي استفادت فيها إسرائيل خلال السنوات الماضية من تفوق جوي واسع داخل سوريا.

وتتحدث تقارير عن احتمال نشر منظومات تركية من طراز "حصار" في قواعد وسط سوريا. ورغم أن هذه المنظومات قصيرة ومتوسطة المدى، فإن وجودها في مواقع استراتيجية يمكن أن يفرض قيودا جديدة على حركة الطائرات الإسرائيلية، خصوصا إذا اقترن ذلك بشبكة رادارات ووسائل حرب إلكترونية وقواعد عسكرية تركية.

وتزداد حساسية إسرائيل تجاه هذا السيناريو لأن سياستها خلال السنوات الماضية قامت على استباحة الأجواء في سوريا، بما سمح لها باستهداف مواقع ومنشآت وقوافل اعتبرتها مرتبطة بإيران أو جماعات مسلحة حليفة لها دون وجود قوة عسكرية سورية قادرة على فرض كلفة كبيرة على تلك العمليات.

ومن هنا، فإن دخول قوة إقليمية بحجم تركيا إلى المعادلة الدفاعية السورية لا يعني بالنسبة إلى إسرائيل مجرد وصول أسلحة جديدة، وإنما احتمال نشوء بيئة عسكرية أكثر تعقيدا، تجعل أي عملية إسرائيلية داخل سوريا محفوفة بحسابات إضافية تتعلق برد الفعل التركي.

واشنطن.. عامل الحسم

تبقى الولايات المتحدة العامل الأكثر أهمية في منع تحول التنافس التركي الإسرائيلي إلى مواجهة مباشرة. فواشنطن تجد نفسها أمام معادلة صعبة: الحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تجنب صدام بين إسرائيل وتركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، والحفاظ على استقرار سوريا ومنع عودة الجماعات المتطرفة.

ولهذا تبدو التصريحات الأمريكية الرافضة للتصعيد الإسرائيلي في سوريا ذات دلالة سياسية مهمة، حتى لو لم تتحول إلى ضغط فعلي قادر على تغيير السلوك الإسرائيلي. فالولايات المتحدة لا تريد أن تتحول سوريا إلى ساحة صراع جديدة بين حليفتين وشريكتين استراتيجيتين لها، ولا تريد في الوقت ذاته أن يؤدي ضعف الحكومة السورية إلى انهيار المرحلة الانتقالية أو عودة الفوضى.

لكن قدرة واشنطن على ضبط إسرائيل تظل محل اختبار، خاصة في ضوء التجارب السابقة في غزة ولبنان والجنوب السوري.

اختبار حدود القوة

في المحصلة، يبدو أن التصعيد الإسرائيلي في سوريا يتحرك على أكثر من مسار في الوقت نفسه. فهو من جهة يستهدف منع إعادة بناء قدرات عسكرية سورية، ومن جهة أخرى يبعث برسائل تحذيرية إلى تركيا بشأن حدود وجوده العسكري، كما يهدف إلى الحفاظ على التفوق الجوي الإسرائيلي وحرية العمل داخل الأجواء السورية.

أما البعد الأبعد مدى، فيتعلق بمستقبل سوريا نفسها: هل ستخرج من المرحلة الانتقالية دولة مركزية موحدة تمتلك جيشا وقدرات عسكرية، أم ستبقى دولة ضعيفة ومجزأة تتنافس القوى الإقليمية والدولية على مناطق نفوذها؟

هنا تحديدا تتقاطع المصالح التركية والإسرائيلية بشكل مباشر. فتركيا ترى أن استقرار سوريا ووحدتها يعززان أمنها القومي ويمنعان التقسيم، بينما ترى إسرائيل في قيام قوة سورية مركزية مدعومة من تركيا تطورا يمكن أن يفرض عليها معادلات أمنية جديدة.

ولهذا فإن المخاوف الإسرائيلية من التواجد التركي في سوريا لا تتعلق فقط بعدد القواعد أو نوعية الصواريخ التي قد تنشرها أنقرة، وإنما بما يمكن أن ينتج عن هذا الوجود من إعادة تشكيل لسوريا وموازين القوى في المشرق.

وفي هذا الصراع، تبدو إسرائيل مصممة على الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من حرية الحركة والردع، بينما تسعى تركيا إلى ترسيخ نفوذها من خلال دعم الدولة السورية الجديدة. وبين الرؤيتين، تقف سوريا أمام مرحلة قد تحدد موقعها الإقليمي لعقود مقبلة.

شارك الخبر: