يحيى السنوار: عامان على الغياب.. حضورٌ لا يُنسى في ذاكرة غزة وقضيتها


هذا الخبر بعنوان "يحيى السنوار.. عامان على الغياب وحضور لا يغيب عن ذاكرة غزة" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الذكرى الثانية لاستشهاد يحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، الذي اغتيل في 16 أكتوبر 2024 برفح جنوبي غزة بعد اشتباك مع قوات الاحتلال، يبقى اسمه محفورًا في الذاكرة الفلسطينية. يمثل السنوار جزءًا من مرحلة قيادية ثقيلة في تاريخ غزة وحماس، تاركًا بصمة لا تُمحى.
وُلد يحيى السنوار عام 1962 في مخيم خان يونس لعائلة مهجّرة من المجدل. أمضى نحو 22 عامًا في سجون الاحتلال قبل أن يُفرج عنه عام 2011 ضمن صفقة شاليط. انتُخب رئيسًا لحماس في غزة عام 2017، ثم رئيسًا لمكتبها السياسي في أغسطس 2024 خلفًا لإسماعيل هنية. لم تدم فترة رئاسته سوى شهرين تقريبًا، لكن تداعيات رحيله لا تزال مفتوحة على مستقبل الحركة والقطاع.
بعد عامين على رحيله، لا تزال صورته الأخيرة، وهو في مبنى متضرر يمسك عصا ويلقيها باتجاه طائرة مسيّرة، حاضرة في الذاكرة الفلسطينية. حملت هذه الصورة دلالات متباينة حول الرجل الذي تصدّر قيادة الحركة في واحدة من أكثر المراحل دموية وتعقيدًا في تاريخ القضية الفلسطينية.
لم يكن يحيى السنوار شخصية عابرة؛ فقد امتدت تجربته من مخيم خان يونس، مرورًا بسجون الاحتلال، وصولًا إلى قيادة حركة حماس في قطاع غزة، ثم رئاسة مكتبها السياسي. ارتبط اسمه بتحولات سياسية وأمنية وعسكرية كبيرة، أبرزها قيادته للحركة خلال حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة عقب السابع من أكتوبر 2023.
من مخيم خان يونس إلى قيادة حماس:
وُلد يحيى إبراهيم السنوار في 29 أكتوبر 1962، في مخيم خان يونس جنوبي قطاع غزة، لعائلة فلسطينية تعود جذورها إلى مدينة المجدل. نشأ في بيئة اللجوء، وشهد منذ طفولته واقع الاحتلال. درس اللغة العربية في الجامعة الإسلامية بغزة، وانخرط في العمل الطلابي والسياسي، ليصبح من الشخصيات المؤسسة للجهاز الأمني لحركة حماس. تشكلت خلال هذه الفترة ملامح شخصيته السياسية والأمنية في سياق فلسطيني اتسم بتصاعد المواجهة مع الاحتلال.
السجن.. محطة صنعت مسارًا قياديًا:
شكل الاعتقال محطة أساسية في حياة السنوار. ففي أواخر الثمانينيات، اعتقلته سلطات الاحتلال وحكمت عليه بالسجن المؤبد عدة مرات على خلفية قضايا أمنية، ليقضي نحو 22 عامًا قبل الإفراج عنه عام 2011 ضمن صفقة شاليط. خلال سنوات الأسر، تعمقت صلاته بالعمل التنظيمي وبرز اسمه بين قيادات الحركة داخل السجون. أتاحت له هذه المرحلة الاطلاع عن قرب على تجارب الأسرى وآليات إدارة الخلافات.
في عام 2011، عاد السنوار إلى قطاع غزة ضمن صفقة تبادل الأسرى. مثلت الصفقة محطة مفصلية، إذ انتقل بعدها إلى موقع أكثر تأثيرًا في صناعة القرار داخل حماس، وبدأت مرحلة جديدة من العمل القيادي.
من قيادة غزة إلى رئاسة المكتب السياسي:
في فبراير 2017، انتُخب يحيى السنوار رئيسًا لحركة حماس في قطاع غزة. شهد القطاع خلال سنوات قيادته جولات تصعيد عسكري متكررة، بالتوازي مع استمرار الحصار وتفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية. برز اسمه بصورة واسعة خلال معركة «سيف القدس» في مايو 2021.
في أغسطس 2024، اختارت حماس يحيى السنوار رئيسًا لمكتبها السياسي خلفًا لإسماعيل هنية. جاء اختياره في خضم حرب مدمرة على قطاع غزة. لم يستمر في المنصب سوى شهرين تقريبًا، إذ استشهد في 16 أكتوبر 2024، لتُطوى بذلك صفحة قيادية اتسمت بحدة المواجهة.
«ستفضح هذه المدينة كل المطبعين».. مقولة ارتبطت باسم السنوار:
من العبارات التي انتشرت على نطاق واسع ونُسبت إلى يحيى السنوار: «ستفضح هذه المدينة كل المطبعين، وستُخزي كل المنسقين، وستكشف حقيقة كل المفرطين والمتنازلين». ارتبطت العبارة في تداولها بمدينة غزة، وقدمتها منشورات كثيرة بوصفها تعبيرًا عن موقفه من التطبيع والتنسيق والتنازلات السياسية.
السابع من أكتوبر.. الحدث الذي أعاد تشكيل المشهد:
ارتبط اسم يحيى السنوار على نحو وثيق بعملية السابع من أكتوبر 2023، التي قادتها كتائب القسام. أعقب العملية هجوم عسكري واسع شنه الاحتلال على القطاع، تحول إلى حرب طويلة خلّفت دمارًا هائلاً وخسائر بشرية واسعة. أصبح السنوار الشخصية الأبرز في قيادة حماس داخل غزة، وسط مطاردة عسكرية مكثفة.
الصورة الأخيرة.. مشهد تجاوز حدود المكان:
في الأيام التي تلت إعلان استشهاده، انتشرت صور ومقاطع مصورة للحظات الأخيرة من حياة يحيى السنوار في رفح. أظهرت إحدى الصور السنوار داخل مبنى متضرر، وهو يمسك عصا ويلقيها باتجاه طائرة مسيّرة، في مشهد حظي بانتشار واسع وأثار تفاعلات متباينة. بالنسبة إلى مؤيديه، تحولت الصورة إلى رمز للمواجهة حتى اللحظة الأخيرة.
القدس والضفة وغزة.. معادلة وحدة الساحات:
احتلت القدس والمسجد الأقصى موقعًا بارزًا في الخطاب السياسي ليحيى السنوار وحركة حماس. قدمت الحركة معركة «سيف القدس» عام 2021 بوصفها محطة تؤكد ترابط القدس وغزة والضفة الغربية. عاد هذا التصور إلى الواجهة بعد السابع من أكتوبر، مع اتساع المواجهات وتزايد الضغوط على الضفة الغربية والقدس، بالتوازي مع الحرب على قطاع غزة.
عامان على استشهاده.. ماذا بقي من إرث السنوار؟
بعد عامين على استشهاد يحيى السنوار، لا يزال إرثه موضع نقاش سياسي وإعلامي واسع. هناك من يستحضر مسيرته من زاوية الأسر والقيادة والمواجهة، ويرى في صورته الأخيرة تعبيرًا عن التمسك بخياراته حتى النهاية. تثير تجربته أسئلة صعبة بشأن حسابات الحرب، ومآلات المواجهة، وحدود القدرة على تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية في ظل الكلفة الإنسانية الهائلة.
إن استحضار شخصية يحيى السنوار في ذكرى استشهاده الثانية لا ينبغي أن يحجب المشهد الفلسطيني الأوسع، ولا أن يحول التجربة إلى رواية أحادية مغلقة. فالتاريخ لا يُكتب بالصور والاقتباسات وحدها، بل بالوقائع والقرارات والنتائج. يبقى اسم يحيى السنوار حاضرًا في الذاكرة السياسية الفلسطينية، لا باعتباره نهاية مرحلة فحسب، بل بوصفه جزءًا من تاريخ ما زالت أحداثه ونتائجه وأسئلته مفتوحة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة