فلسطين
اقتصاد

تجار الحرب يتحكمون بلقمة عيش الغزيين: أزمة مفتعلة تستغلها قوى الاحتكار

شهاب١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:١٥ ص0 مشاهدة
تجار الحرب يتحكمون بلقمة عيش الغزيين: أزمة مفتعلة تستغلها قوى الاحتكار

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تقرير "تجار الحرب" يتحكمون بلقمة عيش الغزيين.. أزمة مفتعلة يستفيد منها المحتكرون | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تعد قدرة سكان غزة على شراء احتياجاتهم الأساسية مرتبطة بما يتوفر في الأسواق أو بما يملكونه من أموال فحسب، بل أصبحت مرهونة بقرارات عدد محدود من التجار والموردين، وحركة الشاحنات التي تتحكم بها سلطات الاحتلال في دخولها. هذا المشهد يكشف عن اختلال عميق في منظومة التجارة داخل القطاع، حيث يتحول أي تعطل في الإمدادات إلى فرصة لرفع الأسعار وتوسيع هامش الاحتكار على حساب السكان.

غلاء الأسعار
مع توقف إدخال الشاحنات التجارية عبر المعابر منذ صباح الأربعاء الماضي، على خلفية خلافات مرتبطة بالرسوم والتنسيقات التجارية، تجددت المخاوف من تفاقم نقص السلع وارتفاع تكاليف المعيشة. لم تتعافَ الأسواق بعد من آثار الحرب، ولا يملك غالبية الغزيين مصادر دخل مستقرة تمكّنهم من مواجهة موجات الغلاء والاحتكار المتلاحقة.

تنعكس تداعيات توقف الشاحنات سريعاً على حياة المواطنين، الذين يواجهون ارتفاعاً في أسعار السلع الأساسية واختفاء بعضها من الأسواق. لا تسمح أوضاعهم المعيشية بشراء كميات إضافية تحسباً لاستمرار الأزمة. وبينما تتواصل الخلافات بشأن الرسوم وآليات إدخال البضائع، يجد الغزيون أنفسهم أمام خيارات محدودة لتأمين احتياجاتهم اليومية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الإغلاق إلى مزيد من النقص وارتفاع الأسعار.

يقول هاني أبو خضير، وهو نازح في غرب مدينة غزة، إن أسعار عدد من السلع الأساسية ارتفعت خلال ثلاثة أيام فقط من توقف دخول الشاحنات التجارية، مستنكراً ما وصفه بجشع التجار واحتكارهم للسلع التي يحتاج إليها السكان في حياتهم اليومية. يشير أبو خضير إلى أن سعر أوقية القهوة ارتفع من 18 شيكلاً إلى 25 شيكلاً، فيما صعد سعر كيلوغرام البندورة من 14 إلى 20 شيكلاً، وارتفع سعر البطاطا من 7 إلى 12 شيكلاً. ويتساءل عن مبررات هذه الزيادات المتسارعة، معتبراً أنه من غير المنطقي أن ترتفع أسعار السلع بهذه النسب خلال يومين فقط من توقف دخول الشاحنات التجارية.

يحمّل أبو خضير بعض التجار مسؤولية استغلال حاجة الناس والظروف الصعبة التي يعيشونها، داعياً إلى تكثيف الرقابة على الأسواق ومحاسبة المحتكرين، حتى لا تتحول الخلافات التجارية وتعطل الإمدادات إلى فرصة لزيادة الأرباح على حساب المواطنين. ويرى أن ممارسات بعض التجار أسهمت في تفاقم الأزمات المعيشية خلال الحرب، ولا تزال تزيد معاناة السكان مع استمرار القيود على حركة البضائع. لا تقتصر المشكلة، بحسب أبو خضير، على ارتفاع الأسعار، إذ اختفت سلع أخرى، بينها البيض والفواكه، ما يقلص الخيارات المتاحة أمام الأسر ويزيد مخاوفها من عودة النقص الحاد في الغذاء إذا استمر إغلاق المعابر.

في سوق النصيرات وسط قطاع غزة، يقول البائع ظريف حسونة إن أياماً معدودة فقط من توقف دخول الشاحنات التجارية كانت كافية لإحداث اضطراب كبير في حركة السوق، مع تزايد مخاوف المواطنين من نقص السلع وارتفاع الأسعار.

جشع التجار
يوضح حسونة أن الخوف من عودة المجاعة ونفاد المواد الأساسية دفع بعض المواطنين القادرين مادياً إلى شراء كميات إضافية وتخزينها، بينما لا يستطيع معظم الغزيين فعل ذلك بسبب ضعف قدرتهم الشرائية، ليبقوا تحت رحمة جشع التجار. يشير إلى أن التجار يواجهون تكاليف ومبالغ كبيرة مرتبطة بإدخال البضائع والتنسيقات مع الاحتلال، لكن الخلافات تظهر عندما يتعلق الأمر بمبالغ تُطلب لدعم مبادرات أو احتياجات السكان عبر الجهات الحكومية. ويرى أن هذا التناقض يستدعي مساءلة التجار عن أولوياتهم، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها القطاع.

يضيف حسونة أن ممارسات بعض التجار، وفق ما يراه من واقع عمله في السوق، فاقمت الأزمات التجارية خلال سنوات الحرب، وزادت الأعباء على المواطنين الذين لا يملكون القدرة على مواجهة الارتفاعات المتلاحقة في الأسعار أو تخزين احتياجاتهم تحسباً لأي نقص جديد.

تعكس الشهادتان حجم القلق الذي يرافق أي توقف في تدفق البضائع إلى غزة؛ فالمواطنون يخشون نقص السلع، فيما يضطر أصحاب الدخل المحدود إلى شراء احتياجاتهم يوماً بيوم. في ظل القيود الإسرائيلية على المعابر، تصبح استمرارية دخول البضائع والرقابة على الأسواق ومنع الاحتكار عوامل أساسية لحماية السكان من موجة جديدة من الغلاء ونقص المواد الضرورية.

من جانبه، نفى المكتب الإعلامي الحكومي في غزة فرض أي ضرائب أو رسوم حكومية على الشاحنات التجارية، مؤكداً أنه لم يتقاضَ رسوماً على الأنشطة التجارية خلال السنوات الثلاث الماضية، مراعاةً للظروف الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها القطاع. أوضح المكتب، في بيان صحفي، أن مبلغ 10 آلاف شيكل الذي ورد في الاتهامات الإسرائيلية يرتبط، بحسب روايته، بمبادرة مجتمعية اختيارية يشارك فيها رجال أعمال وشخصيات ومؤسسات وشركات، وتُخصص مواردها لدعم الفئات الأكثر تضرراً، بما يشمل الأيتام والأرامل والأطفال والطلبة المحتاجين، إلى جانب مشاريع الإيواء والصرف الصحي والإغاثة العاجلة. رفض المكتب تحميل الجهات الحكومية في غزة مسؤولية تعطل إدخال الشاحنات، معتبراً أن الاتهامات الإسرائيلية تأتي في سياق تبرير القيود المفروضة على القطاع.

تحت نفوذ التجار
يرى الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن توقف الشاحنات التجارية يكشف عن خلل في منظومة إدخال البضائع إلى قطاع غزة، وعن نفوذ احتكاري تمارسه مجموعة محدودة من التجار والموردين، بما يؤثر في توافر السلع وأسعارها، وينعكس مباشرة على حياة أكثر من 2.5 مليون فلسطيني. قال أبو قمر لـ«وكالة شهاب» إن المنظومة التجارية في غزة باتت مرتهنة لقرارات فئة محدودة من التجار الموردين، الذين يتحكمون في جانب مهم من تدفق البضائع، في ظل ما وصفه بآليات «السوق السوداء» والضغوط المرتبطة بالقيود الإسرائيلية على حركة التجارة.

أوضح أن إدخال البضائع يرتبط بدفع مبالغ كبيرة تحت مسمى «التنسيقات»، قد تصل إلى آلاف الشواكل للشاحنة الواحدة، وهي تكاليف تزيد كلفة وصول السلع إلى القطاع، ثم تُضاف إلى أسعارها النهائية، ليدفع المستهلك ثمنها في ظل تراجع قدرته الشرائية وشح البدائل المتاحة. وأضاف أن هذه الظروف تمنح عدداً محدوداً من الموردين قدرة واسعة على التأثير في حركة السوق، خصوصاً مع القيود التي يفرضها الاحتلال على المعابر ومسارات إدخال البضائع، مشيراً إلى أن استمرار هذا الواقع يفاقم معاناة المواطنين ويزيد اعتماد السوق على قرارات فئة قليلة تتحكم في جانب أساسي من الإمدادات.

ليس مبرراً
في تعليقه على الخلافات المتعلقة بالرسوم والضرائب، رفض أبو قمر اتخاذها مبرراً لتقييد دخول السلع والاحتياجات الأساسية، مؤكداً أن الخلافات بين التجار والجهات الحكومية ينبغي ألا تؤدي إلى تعطيل الإمدادات التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية. قال إن المفارقة تكمن في توقف الشاحنات على خلفية خلافات بشأن الرسوم والضرائب، بدلاً من أن تكون حركة السوق موجّهة نحو حماية المستهلك من الغلاء والاحتكار، معتبراً أن ما يجري يثير تساؤلات بشأن الجهة التي تملك القرار الفعلي في حركة التجارة داخل القطاع.

شدد على أن المرحلة الراهنة لا تحتمل فرض أي ضرائب أو رسوم إضافية، إن صح الحديث عن توجه لفرضها، لأن أي أعباء جديدة ستنعكس سريعاً على أسعار السلع، ولن يتحملها التجار وحدهم. وأضاف أن المستهلك النهائي هو من يدفع هذه التكاليف في نهاية المطاف، سواء ارتبطت بعمليات إدخال البضائع أو الرسوم أو غيرها من الأعباء التجارية، في ظل محدودية المنافسة وتراجع قدرة المواطنين على الاختيار بين مصادر متعددة للسلع. وفي هذا السياق، يحذر أبو قمر من أن استمرار القيود على حركة البضائع، بالتزامن مع الممارسات الاحتكارية، يزيد الضغط على المواطنين، ويجعلهم أكثر عرضة للاستغلال عند شراء احتياجاتهم الأساسية.

لا يفصل الباحث الاقتصادي بين هذه الممارسات وبين سيطرة الاحتلال على آليات إدخال البضائع، إذ يرى أن القيود المفروضة على المعابر، إلى جانب المبالغ المرتبطة بالتنسيقات، ترفع كلفة وصول السلع وتحد من قدرة التجار الآخرين على المنافسة، بما يترك أثراً مباشراً على الأسعار في الأسواق. وبينما يتواصل الخلاف بشأن الرسوم، لا يملك المواطن وسيلة لتعويض النقص إذا تأخرت الشاحنات، ولا يستطيع مواجهة الارتفاعات المتلاحقة في الأسعار بزيادة إنفاقه، خصوصاً أن كثيراً من الأسر فقدت مصادر دخلها خلال الحرب وتعتمد على مساعدات أو موارد محدودة لتأمين احتياجاتها.

تبرز هنا خطورة تحول توقف الإمدادات إلى أزمة معيشية أوسع، إذ لا تتعلق المسألة بموعد دخول الشاحنات فقط، بل أيضاً بكيفية توزيع البضائع المتاحة، ومدى خضوع الأسعار للرقابة، وقدرة الموردين على التحكم في السوق دون منافسة كافية.

ظاهرة

شارك الخبر: