البولسونارية في البرازيل: من يصنعها وإلى أين تقود البلاد؟


هذا الخبر بعنوان "من يصنع البولسونارية، وإلى أين تقود البرازيل؟ - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجاوز الانتخابات الرئاسية البرازيلية في عام 2026 مجرد المنافسة بين لويس إيناسيو لولا دا سيلفا وفلافيو بولسونارو، لتشمل رؤى مختلفة لموقع البرازيل العالمي، ومفهوم السيادة الوطنية، وحدود العلاقة بين الدين والسياسة، ودور حقوق الإنسان في السياسة الخارجية. في الجولة الأولى، حصل فلافيو بولسونارو على 47.03% من الأصوات مقابل 45.16% للولا، مما استدعى جولة ثانية في 25 أكتوبر. وتشير استطلاعات الرأي إلى تقارب شديد بينهما.
لا يخوض فلافيو الانتخابات كسياسي مستقل، بل يسعى لإعادة تقديم مشروع سياسي واجتماعي قائم على تحالف بين العائلة، واليمين الديني، وشبكات الإعلام، والمصالح الاقتصادية والأمنية، وروابط وثيقة مع تيار دونالد ترامب في الولايات المتحدة. السؤال المطروح ليس فقط عن هوية الفائز، بل عن شكل البرازيل المستقبلية وتأثير هذا التحالف على قراراتها وعلاقاتها الدولية.
لم يصل جايير بولسونارو إلى الرئاسة بمفرده، بل جمع مخاوف ومصالح متباينة في خطاب يرفض اليسار، ويشكك في المؤسسات، ويركز على الأمن والقيم المحافظة. ساهمت الكنائس الإنجيلية ووسائل التواصل الاجتماعي في نشر هذا الخطاب وبناء جمهور واسع. لم تعد العائلة مجرد دائرة محيطة بالرئيس، بل أصبحت جزءاً من بنية المشروع السياسي، حيث يمثل فلافيو، وإدواردو، وكارلوس، ورينان امتدادات مختلفة لهذا المشروع. كما بنت ميشيلي بولسونارو حضوراً خاصاً في الأوساط الإنجيلية، مستفيدة من اسم العائلة وقدرتها على مخاطبة جمهور واسع.
الاسم نفسه أصبح رصيداً انتخابياً يفتح أبواباً في مناطق لا يملك فيها المرشح سجلاً عملياً. يظهر هذا بوضوح في حالة كارلوس بولسونارو، حيث يُطرح سؤال حول ما إذا كان الناخبون يصوتون بناءً على معرفتهم بالمرشح أم بدافع الولاء لمشروع وطني تحمله العائلة.
يُقدَّم فلافيو أحياناً كنسخة أكثر هدوءاً من والده، لكن الهدوء النسبي لا يعني الاعتدال. يخوض الانتخابات بدون برنامج واضح، مستنداً إلى القاعدة السياسية والدينية نفسها وإرث والده. قد يكون فلافيو أقدر على التفاوض مع الوسط السياسي والاقتصادي، وربما يضطر لمراعاة مؤسسات الدولة والكونغرس. لكن المرونة في الحملة لا تعني بالضرورة مراجعة المواقف الأيديولوجية. يجب مراقبة السياسات التي يتبناها وحدود علاقته بمصالح حلفائه.
عندما يتداخل الدين مع السلطة، ويُقدِّم السياسي نفسه كممثل للإرادة الإلهية، يصبح من السهل تصوير المعارضة كخروج على الإيمان. يُخشى أن يُنظر إلى المواطن المختلف كخصم أخلاقي وديني. ليس كل الإنجيليين مؤيدي البولسونارية، لكن قيادات إنجيلية نافذة تلعب دوراً في تعبئة الناخبين. عودة فلافيو للتقارب مع القس سيلاس مالافايا تشير إلى أن الحسابات الانتخابية قد تجمع أطرافاً تباعدت.
دور ميشيلي بولسونارو يتجاوز الظهور إلى جانب زوجها؛ فقد رسّخت مكانة لها لدى قطاعات من الجمهور الإنجيلي، ويمكن أن تمثل رصيداً انتخابياً مهماً. قوة العائلة لا تُقاس بالمناصب، بل بقدرتها على الجمع بين الاسم السياسي والرمز الديني والتأثير الإعلامي.
تكشف قضية إدواردو بولسونارو عن جانب مهم من المشروع. فهو لم يكتفِ بالدفاع عن والده أو مساندة شقيقه، بل جعل علاقاته باليمين الأميركي ومواقفه الأيديولوجية في السياسة الخارجية محوراً لنشاطه. يقيم في الولايات المتحدة منذ مارس/آذار 2025، بعدما غادر البرازيل في سياق مواجهة مع القضاء. في أكتوبر/تشرين الأول 2026، قررت المحكمة العليا بدء تنفيذ حكم بسجنه في قضية إكراه. يرفض إدواردو الاتهامات ويصف ما يتعرض له بالاضطهاد السياسي. إذا وصل شقيقه إلى الرئاسة، قد يسعى للعب دور في وزارة الخارجية البرازيلية (إيتاماراتي).
هدد إدواردو بإجراء «تنظيف» داخل الوزارة، متوعداً دبلوماسيين اتهمهم بتخريب حكومة والده. أثارت تصريحاته مخاوف من تحويل الوزارة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية. تشير تقارير إلى تصور أوسع لإعادة هيكلة الوزارة على غرار إصلاحات ماركو روبيو في وزارة الخارجية الأميركية.
تطرح هذه التهديدات سؤالاً حول ما إذا كان الدبلوماسي البرازيلي سيُقيَّم وفق كفاءته أم مدى توافقه مع أيديولوجيا الحكومة، بما في ذلك موقفه من (إسرائيل) وفلسطين. إدواردو من أكثر أفراد العائلة وضوحاً في انحيازه إلى الحكومة الإسرائيلية واليمين الصهيوني. زار (إسرائيل) والتقى بنيامين نتنياهو في ديسمبر/كانون الأول 2025. عبّر عن مواقف شديدة العداء للفلسطينيين.
إذا أصبح التوافق مع رؤية إدواردو وحلفائه شرطاً للترقية، فقد يتعرض لضغوط دبلوماسيون دافعوا عن استقلال القرار البرازيلي أو انتقدوا سياسات الاحتلال. مواقف إدواردو وسجله يجعلان من المشروع السؤال عن مكانة القضية الفلسطينية ضمن معايير الولاء التي يريد فرضها. الدبلوماسية مؤسسة للدولة، لا جهاز تابع لعائلة سياسية أو تيار ديني أو حكومة أجنبية.
القدس وفلسطين: الاختبار الأكثر وضوحاً. تكشف فلسطين الفرق بين سياسة تستند إلى القانون الدولي وأخرى تحددها التحالفات الأيديولوجية. فلافيو أعلن رغبته في نقل السفارة البرازيلية لدى (إسرائيل) من تل أبيب إلى القدس. هذا ليس إجراءً بروتوكولياً عابراً، بل انحياز في مسألة لم يُحسم وضعها النهائي. ليس المطلوب من البرازيل قطع علاقاتها مع دولة، بل التعامل مع الجميع وفق معايير واحدة.
أكدت حكومة لولا أهمية التعددية الدولية والتقارب مع مجموعة بريكس ودول الجنوب العالمي، واستمرار الاعتراف بالحقوق الفلسطينية. أما فلافيو، فقد ربط خطابه صراحةً بالتقارب مع (إسرائيل) وطرح نقل السفارة إلى القدس. هذا يجعل موقفه أكثر وضوحاً ويمنح الناخب البرازيلي سبباً للنظر في الآثار الخارجية المحتملة لخياره الانتخابي.
بالنسبة إلى الفلسطينيين، قد تتجاوز النتائج اختلاف اللغة الدبلوماسية. الدعم السياسي غير المشروط للحكومة الإسرائيلية قد يحدّ من قدرة البرازيل على الضغط لوقف الانتهاكات أو المطالبة بالمحاسبة. نقل السفارة يعتبر تراجعاً عن الموقف الذي يقتضي ترك وضع المدينة النهائي للتسوية وفق القانون الدولي.
ترامب والبرازيل: التحالف أم التبعية؟ التقارب بين البولسونارية وترامب يستند إلى رؤية تجمع بين القومية المحافظة، والتشكيك في المؤسسات الدولية، وتقديم اليمين الديني كحارس للهوية الوطنية. العلاقة مع واشنطن قد تؤثر في الحسابات الانتخابية البرازيلية، مع مخاوف من استخدام الضغوط الاقتصادية والسياسية الأميركية للتأثير في مسار الانتخابات.
البرازيل قوة اقتصادية وصناعية وزراعية، وعضو مؤثر في بريكس، وشريك تجاري رئيسي للصين والولايات المتحدة. أي تحوّل في سياستها الخارجية ستكون له انعكاسات تتجاوز حدودها. حصر العلاقات الدولية في محور واحد قد يحدّ من قدرة البرازيل على المناورة ويجعلها أكثر عرضة للضغوط.
تنويع العلاقات لا يعني معاداة واشنطن أو بكين، بل الحفاظ على حق البرازيل في التعامل مع كل طرف وفق مصالحها الوطنية. تظهر أهمية فلسطين هنا أيضاً؛ فإذا حُدّد الموقف من (إسرائيل) على أساس التقارب الديني والسياسي، لا على أساس تقييم أفعالها وفق القانون الدولي، فقد تتحول السياسة الخارجية إلى امتداد لصراعات الهوية الداخلية.
اتفاقيات التعاون الأمني بين البرازيل و(إسرائيل) عام 2019، ومشروع «درع الأمريكتين» بقيادة واشنطن، يثيران نقاشاً حول حدود التعاون الأمني واحترام السيادة. تبادل المعلومات وتقنيات المراقبة قد يخلّف آثاراً خطيرة إذا غابت الرقابة القضائية والشفافية. قد تتضرر فئات مثل الفلسطينيين والعرب، والسود البرازيليين، والمهاجرين.
احتمال انضمام البرازيل إلى مبادرة «درع الأمريكتين» إذا فاز فالفيو يطرح سؤالاً إضافياً: هل ستكون الأولوية لتعاون إقليمي يحترم القانون والسيادة، أم لنهج أمني قد يوسّع نفوذ واشنطن؟
الخوارزميات الرقمية والانتخابات: أصبحت المنصات الرقمية جزءاً أساسياً من المشهد السياسي. أظهرت اختبارات أن أداة الذكاء الاصطناعي التابعة لشركة «ميتا» رفضت طلبات لإنشاء صور انتخابية مؤيدة للولا، بينما استجابت لطلبات مماثلة مؤيدة لفلافيو بولسونارو. عزت الشركة المشكلة إلى أخطاء تقنية ونفت وجود انحياز متعمد.
هذا التفسير لا ينبغي أن ينهي النقاش؛ بل يستدعي التحقق من سبب الاختلاف ومدى تكراره. العلاقة بين مارك زوكربيرغ ودونالد ترامب، وتغييرات سياسات الإشراف على المحتوى في منصات «ميتا»، تثير نقاشاً حول مسؤولية الشركات الرقمية وحدود سلطتها.
عندما تملك شركة واحدة أدوات للذكاء الاصطناعي وأنظمة لتوزيع المحتوى يستخدمها ملايين الأشخاص، فإنها تملك قدرة مؤثرة في البيئة التي تتشكل فيها الآراء السياسية. الخلل غير المتعمد قد تكون له آثار سياسية إذا أدى إلى معاملة مختلفة لطلبات متشابهة أثناء حملة انتخابية.
ليس المطلوب أن تنحاز المنصات إلى مرشح أو ضده، بل أن تطبق قواعد واضحة ومتسقة، وأن تتيح شفافية كافية تسمح بفحص أدائها بصورة مستقلة. الحياد يجب أن يكون قابلاً للاختبار والمساءلة.
العلاقات العربية والإسلامية ليست ملفاً ثانوياً. تربط البرازيل بالدول العربية والإسلامية علاقات تجارية وسياسية وثقافية واسعة. أي تحوّل حاد في السياسة الخارجية البرازيلية قد يؤثر في طبيعة هذه العلاقات، خصوصاً إذا اقترن بخطاب يُفهم منه أن التقارب مع (إسرائيل) أهم من الحفاظ على التوازن الدبلوماسي واحترام حقوق الفلسطينيين.
قد تعيد بعض الحكومات النظر في أولوياتها إذا شعرت بأن البرازيل تبتعد عن الأسس التي قامت عليها تفاهماتها معها. استمرار العلاقات المتوازنة واحترام القانون الدولي والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني يمكن أن يعزز مكانة البرازيل شريكاً مستقلاً.
تكتسب الانتخابات أهمية خاصة لدى أبناء الجاليات العربية والإسلامية في البرازيل. هذه المجتمعات ليست كتلة متجانسة سياسياً. من حق هذه المجتمعات أن تسأل المرشحين عمّا تعنيه برامجهم بالنسبة إلى حقوق الفلسطينيين، والعلاقات مع الدول العربية والإسلامية، وسياسات الهجرة، ومكانة التعددية الدينية والثقافية.
لا ينبغي التعامل مع المواطن البرازيلي من أصل عربي أو مسلم باعتباره امتداداً لسياسة دولة أخرى. فهو مواطن يتمتع بالحقوق نفسها. تنظيم الهجرة واحترام القانون لا يتعارضان مع صون الكرامة الإنسانية.
ماذا تختار البرازيل في الخامس والعشرين من أكتوبر؟ تؤكد هذه الانتخابات أن البولسونارية لم تختفِ بخروج جايير بولسونارو من الرئاسة. لقد أعادت تشكيل نفسها وتبحث عن طريق جديد إلى السلطة. قد يكون ظهور فلافيو بنبرة مختلفة عن والده جزءاً من هذه المحاولة.
من يملك القرار داخل الدولة؟ وهل تبقى المؤسسات المهنية بمنأى عن تصفية الحسابات الحزبية؟ وهل يُصان الدين باعتباره حقاً للمواطنين، أم يُستخدم لمنح الشرعية السياسية لفريق بعينه؟ وهل تستطيع البرازيل الحفاظ على علاقات متوازنة مع العالم، أم ستُختزل سياستها الخارجية في تحالفات أيديولوجية محددة؟
أما فلسطين، فالسؤال أكثر مباشرة: هل ستواصل البرازيل الدفاع عن الحقوق الفلسطينية باعتبار ذلك جزءاً من التزامها بالقانون الدولي، أم ستتراجع عن هذا الدور لمصلحة تقارب سياسي وديني غير مشروط مع الحكومة الإسرائيلية؟
الموقف من الحرب والاحتلال وحقوق الشعوب واستقلال القرار الوطني لا يخص جماعة بعينها؛ بل يرتبط بنوع الدولة التي يريد المواطنون أن يعيشوا فيها وبالمكانة التي يريدون لبلادهم أن تحتلها في العالم.
قد يتغير الرئيس وتتبدل التحالفات، لكن السؤال الذي سيبقى هو: هل تريد البرازيل سياسة خارجية تنطلق من مصالحها وقيمها المعلنة، أم سياسة تتحدد أولوياتها بمدى قربها من عائلة سياسية أو تيار ديني أو حليف خارجي؟
لا يزال الأمل قائمًا في أن يفوز لولا، وأن تختار البرازيل مواصلة الدفاع عن مؤسساتها الديمقراطية واستقلال قرارها، وعن مجتمع يتسع للاختلاف ولا يجعل الدين أو الأصل أو الموقف السياسي معيارًا للمواطنة. المطلوب ليس مجرد الانتصار لمرشح، بل حماية الديمقراطية من الاستقطاب ومن تركيز السلطة، وصون حق البرازيليين في اختيار مستقبلهم بحرية، مع استمرار التضامن مع الشعب الفلسطيني واحترام القانون الدولي.
هنا يكمن جوهر المعركة. ففلسطين ليست قضية هامشية في الانتخابات البرازيلية؛ بل هي إحدى القضايا التي تكشف بوضوح المعنى الذي ستمنحه البرازيل للعدالة والسيادة والقانون الدولي بعد الخامس والعشرين من أكتوبر.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة