فلسطين
سياسة

التدخل الأمريكي في الانتخابات الإسرائيلية: واشنطن تسعى لتشكيل حكومة نتنياهو المقبلة وفق مصالحها

شبكة قدس٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٣:٢٤ م0 مشاهدة
التدخل الأمريكي في الانتخابات الإسرائيلية: واشنطن تسعى لتشكيل حكومة نتنياهو المقبلة وفق مصالحها

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الانتخابات الإسرائيلية تحت التأثير الأمريكي.. ماذا تريد واشنطن من حكومة نتنياهو المقبلة؟" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتجاوز التدخلات الأمريكية في الانتخابات الإسرائيلية مجرد الدعم العسكري والدبلوماسي، لتصل إلى التأثير في تركيبة الحكومة المقبلة، وسط تقارير عن توجهات أمريكية لاستبعاد شخصيات مثل بن غفير وسموتريتش. وبين اعتماد دولة الاحتلال على الدعم الأمريكي وقدرة حكومتها على التأثير في حسابات واشنطن، تبرز تساؤلات حول حدود استقلال القرار الإسرائيلي.

جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دعمه العلني لبنيامين نتنياهو، داعيًا الإسرائيليين إلى انتخابه في الانتخابات المقررة. وربط ترمب هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبلة بمستقبل التعاون العسكري مع واشنطن في مواجهة إيران. وتشير تقارير إلى دفع دوائر مقربة من ترمب نحو تشكيل حكومة وحدة إسرائيلية دون سموتريتش وبن غفير، مع طرح فكرة التناوب على رئاسة الوزراء. في المقابل، يرفض غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت المشاركة في حكومة برئاسة نتنياهو، ولم تجرِ الإدارة الأمريكية مفاوضات معهما بشأن هذا المقترح.

ترتبط هذه الطروحات بمساعي واشنطن لتحقيق اختراقات إقليمية، أبرزها اتفاق تطبيع بين إسرائيل والسعودية، وهو مسار قد تتعقده مواقف بن غفير وسموتريتش من القضية الفلسطينية.

لم يعد التدخل الأمريكي في السياسة الإسرائيلية يقتصر على الدعم العسكري والدبلوماسي، أو التنسيق بشأن الحروب والملفات الإقليمية، بل وصل إلى إعلان المواقف من المرشحين للانتخابات، والدعوة العلنية إلى التصويت لرئيس حكومة بعينه، وصولًا إلى تداول تصورات بشأن شكل الائتلاف الذي ينبغي أن يحكم دولة الاحتلال بعد الانتخابات.

وجدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الأحد، دعمه لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، داعيًا الإسرائيليين إلى التصويت له في الانتخابات المقررة، في ثاني إعلان علني لتأييده خلال أسبوع، بعدما أعلن في 18 تشرين الأول/أكتوبر دعمه لنتنياهو، ووصفه بأنه شريك أساسي في المواجهة مع إيران.

وذهب ترمب في موقفه الأخير إلى ربط هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبلة بمستقبل التعاون العسكري بين واشنطن وتل أبيب، قائلًا إن الولايات المتحدة ستضطر إلى تولي المهمة بنفسها إذا لم يكن نتنياهو في الحكم، في إشارة إلى المواجهة مع إيران. ويكتسب هذا الموقف أهميته من توقيته، إذ جاء قبل الانتخابات بأيام، وفي وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى صعوبة حصول معسكر نتنياهو على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة. كما أفادت تقارير إعلامية بأن نتنياهو كثف اتصالاته مع ترمب ومحيطه للحصول على مزيد من الدعم العلني.

وبذلك، لم يكتفِ الرئيس الأمريكي بإبداء تفضيل سياسي تجاه مرشح إسرائيلي، بل ربط اختياره بحسابات الأمن الإقليمي، مقدمًا الناخب الإسرائيلي على مفاضلة تتجاوز البرامج الانتخابية الداخلية إلى طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة ومستقبل المواجهة مع إيران.

من دعم نتنياهو إلى مناقشة شكل الحكومة

في موازاة الدعم العلني لنتنياهو، تكشف النقاشات داخل محيط ترمب عن مفارقة أخرى؛ فالتأييد الأمريكي لرئيس الحكومة لا يعني بالضرورة التمسك باستمرار الائتلاف الذي يستند إليه. وكتبت الصحفية آنا برسكي في صحيفة «معاريف» العبرية أن أصواتًا داخل الدائرة المقربة من ترمب تدفع باتجاه تشكيل حكومة وحدة في دولة الاحتلال، من دون وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. ووفق التقرير، تشمل الأفكار المطروحة تشكيل حكومة بالتناوب على رئاسة الوزراء، يتولى نتنياهو رئاستها أولًا، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى شخصية أخرى. غير أن رئيس حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت يرفضان المشاركة في حكومة برئاسة نتنياهو، فيما لم تجرِ الإدارة الأمريكية معهما مفاوضات بشأن المقترح.

وترتبط هذه الطروحات، بحسب التقرير، بمساعي واشنطن لتحقيق اختراقات إقليمية، وفي مقدمتها التوصل إلى اتفاق تطبيع بين دولة الاحتلال والسعودية، وهو مسار قد يتعقد في ظل مواقف بن غفير وسموتريتش من القضية الفلسطينية. وتكشف هذه المفارقة عن طبيعة الحسابات الأمريكية: دعم نتنياهو بوصفه شريكًا في ملفات استراتيجية، مع إبقاء احتمال تغيير شركائه الحكوميين قائمًا إذا أصبحت تركيبة الائتلاف عائقًا أمام أهداف واشنطن. لكن المقترح لا يزال في إطار النقاشات، ولم تعلن الإدارة الأمريكية تبنيه رسميًا، كما أن رفض شخصيات المعارضة المشاركة في حكومة برئاسة نتنياهو يضع عقبات جدية أمام تنفيذه.

إلى أي مدى تتدخل واشنطن في القرار الإسرائيلي؟

السؤال الذي تطرحه هذه التطورات لا يتعلق فقط بأحقية رئيس أمريكي في إعلان موقفه من انتخابات دولة أخرى، بل بحدود النفوذ الذي تستطيع واشنطن ممارسته في دولة الاحتلال، ومدى استقلال القرار الإسرائيلي عندما تتعارض الحسابات الداخلية مع المصالح الأمريكية. فالولايات المتحدة ليست حليفًا خارجيًا عاديًا لدولة الاحتلال؛ إذ تشكل المساعدات العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والتعاون الدفاعي، والدعم الدبلوماسي في المؤسسات الدولية، ركائز أساسية في العلاقة بين الطرفين. وتوفر هذه الروابط لواشنطن أدوات تأثير تتجاوز التصريحات السياسية، إذ تستطيع القرارات المتعلقة بالتسليح والمساعدات والتنسيق العسكري والمواقف الدبلوماسية أن تؤثر في الخيارات المتاحة أمام الحكومات الإسرائيلية.

وفي المقابل، لا يعني هذا النفوذ أن واشنطن تتحكم تلقائيًا في كل قرار إسرائيلي. فقد شهدت العلاقة بين الطرفين خلافات بشأن الحرب في غزة، والاستيطان في الضفة الغربية، والتعامل مع إيران، كما أن الحكومات الإسرائيلية تتحرك وفق اعتبارات انتخابية وأمنية وائتلافية داخلية، قد تتعارض أحيانًا مع أولويات الإدارة الأمريكية. لكن الفارق يظهر عندما ينتقل الخلاف من مستوى المواقف إلى مستوى الضغوط المباشرة، أو عندما يربط رئيس أمريكي استمرار التعاون في ملف استراتيجي ببقاء شخص معين في رئاسة الحكومة. وفي حالة ترمب، يكتسب هذا الأمر أهمية إضافية بسبب إعلانه الصريح تأييد نتنياهو، ثم تكرار الدعوة إلى انتخابه، بالتزامن مع تداول تصورات أمريكية بشأن الحكومة التي ينبغي أن تتشكل بعد الانتخابات.

من يسيطر على الآخر؟

قد يبدو السؤال عن الطرف الذي يسيطر على الآخر في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب بسيطًا، لكنه في الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. فنتنياهو ليس مجرد متلقٍ للتوجيهات الأمريكية؛ إذ حاولت حكومته في محطات مختلفة دفع واشنطن إلى تبني خيارات تتعلق بإيران وغزة، كما أن السياسة الداخلية الإسرائيلية، وتركيبة الائتلافات الحاكمة، ومواقف الأحزاب اليمينية، تضع حدودًا لما يستطيع رئيس الحكومة تقديمه للرئيس الأمريكي. وفي المقابل، لا تستطيع الحكومات الإسرائيلية تجاهل وزن الولايات المتحدة في توفير الدعم العسكري والدبلوماسي، أو في رسم حدود التحرك الإسرائيلي في ملفات إقليمية شديدة الحساسية.

وتمنح هذه العلاقة كل طرف أوراق ضغط على الآخر، لكن الأوراق ليست متساوية في طبيعتها؛ فواشنطن تمتلك موارد عسكرية واقتصادية ودبلوماسية هائلة، بينما تمتلك الحكومة الإسرائيلية تأثيرًا مباشرًا في تطورات ميدانية وإقليمية ترتبط بمصالح أمريكية. ولهذا، لا يمكن اختزال العلاقة في صورة طرف يأمر وآخر ينفذ، كما لا يمكن التعامل معها باعتبارها شراكة متكافئة تمامًا. إنها علاقة تحالف غير متكافئ، تتداخل فيها المصالح المشتركة مع محاولات التأثير والضغط المتبادل. وقد أشار تحليل نشرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 إلى أن ترمب أظهر استعدادًا لاستخدام النفوذ الأمريكي للضغط على نتنياهو، وأن اعتماد الأخير على دعم الرئيس الأمريكي عزز قدرة واشنطن على التأثير في خيارات حكومته. وتبرز أهمية هذا العامل في الانتخابات الحالية، حيث يتجاوز تدخل ترمب مجرد المجاملة السياسية إلى إظهار أن هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية ترتبط، في حسابات واشنطن، بمستقبل التعاون بشأن ملفات استراتيجية.

هل يصبح دعم ترمب لنتنياهو مشروطًا بتغيير شركائه؟

تفتح الدعوة الأمريكية المتكررة لانتخاب نتنياهو، بالتزامن مع تداول مقترح استبعاد بن غفير وسموتريتش، باب التساؤل عن الثمن السياسي الذي قد يرتبط بهذا الدعم. فإذا كانت واشنطن ترى أن استمرار الائتلاف الحالي يعوق التوصل إلى تفاهمات إقليمية، فقد تجد مصلحة في حكومة إسرائيلية مختلفة في تركيبتها، حتى مع بقاء نتنياهو في رئاستها خلال المرحلة الأولى. لكن هذا الاحتمال لا يعني أن ترمب اتخذ قرارًا بإقصاء الوزيرين، أو أنه وضع شرطًا رسميًا لدعم نتنياهو. فالتأييد العلني لرئيس الحكومة يتزامن مع نقاشات داخل محيط الرئيس الأمريكي بشأن بدائل حكومية، من دون اتفاق معلن على صيغة نهائية. كما أن نتنياهو نفسه يواجه معادلة داخلية صعبة: فالتخلي عن شركائه من اليمين المتطرف قد يفتح له الباب أمام حكومة أوسع، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تفكك معسكره الحالي، فيما يرفض آيزنكوت وبينيت حتى الآن المشاركة في حكومة يرأسها.

وبالتالي، فإن قدرة ترمب على التأثير في شكل الحكومة المقبلة ستظل مرتبطة بنتائج الانتخابات، ومواقف الأحزاب الإسرائيلية، ومدى استعداد نتنياهو لتغيير تحالفاته.

علاقة تتجاوز الانتخابات

تكشف هذه التطورات عن مستوى التشابك بين السياسة الأمريكية والإسرائيلية، حيث لا تتوقف واشنطن عند متابعة نتائج الانتخابات، بل يناقش مقربون من رئيسها شكل الحكومة المقبلة وشركاءها، بالتزامن مع إعلان دعم مرشح بعينه. وفي الوقت الذي تحتفظ فيه دولة الاحتلال بمؤسساتها الانتخابية وحساباتها الداخلية، فإن حجم اعتمادها على الدعم الأمريكي يجعل مواقف البيت الأبيض عاملًا مؤثرًا في النقاش السياسي الإسرائيلي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالحروب والتسليح والتطبيع والعلاقات الإقليمية.

ومن هنا، فإن السؤال ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع أن تملي كل قراراتها على الحكومة الإسرائيلية، بل كيف تستخدم أدوات نفوذها لدفع تلك الحكومة نحو خيارات تتفق مع مصالحها، وما الحدود التي تفرضها الحسابات الإسرائيلية الداخلية على هذا النفوذ. وبين دعم ترمب المتكرر لنتنياهو، والأفكار المتداولة في محيطه بشأن حكومة وحدة تستبعد حلفاءه من اليمين المتطرف، تظهر العلاقة بين الطرفين باعتبارها شراكة تتداخل فيها المصالح والضغوط، من دون أن تلغي التفاوت الكبير في الموارد وأدوات التأثير. وفي النهاية، قد لا يكون التدخل الأمريكي في الانتخابات الإسرائيلية مجرد محاولة لمساعدة نتنياهو على البقاء في منصبه، بل جزءًا من معركة أوسع على شكل الحكومة المقبلة، وقدرتها على الاستجابة لأولويات واشنطن في المنطقة. أما ما إذا كان هذا الدعم سيترجم إلى تغيير في تركيبة الائتلاف، فسيظل مرهونًا بنتائج الانتخابات ومفاوضات تشكيل الحكومة، لا بالتصريحات الأمريكية وحدها.

شارك الخبر: