الحرب تفتح ملف تجنيد الحريديم مجددًا: هل يواجه «جيش الشعب» الإسرائيلي انقسامًا؟


هذا الخبر بعنوان "الحرب تعيد فتح ملف تجنيد الحريديم.. هل يتصدع «جيش الشعب» في دولة الاحتلال؟" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعادت الحرب متعددة الجبهات ملف تجنيد الحريديم إلى دائرة الخلافات داخل دولة الاحتلال، في ظل تزايد الضغوط على الجيش بسبب استنزاف قوات الاحتياط واستمرار الإعفاءات الدينية. لم يعد الجدل مقتصرًا على المساواة في الخدمة العسكرية، بل امتد ليشمل التحالفات السياسية وتوزيع الأعباء.
لعقود من الزمن، حافظت إسرائيل على «الوضع القائم» الذي منح الحريديم إعفاءً من الخدمة العسكرية مقابل دعم سياسي للائتلافات الحكومية. لكن هجوم السابع من أكتوبر والحرب متعددة الجبهات أعادا طرح الحاجة الملحة للقوة البشرية وكشفا عن حدود الاعتماد على التكنولوجيا وحدها. وقد أدى استنزاف قوات الاحتياط وطول أمد العمليات العسكرية إلى نقل قضية تجنيد الحريديم من مجرد سجال سياسي إلى أزمة تجنيد فعلية.
تتزايد الاحتجاجات الحريدية الرافضة للتجنيد، باعتباره تهديدًا لنمط حياتهم الديني ولأهمية دراسة التوراة. وفي الوقت نفسه، يتآكل التحالف بين الأحزاب القومية الدينية والحريدية مع تصاعد الخلاف حول تقاسم الأعباء العسكرية والاقتصادية.
على مدار عقود، حافظت المنظومة السياسية الإسرائيلية على صيغة غير معلنة لإدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع الحريدي، عُرفت باسم «الوضع القائم». قامت هذه الصيغة على تفاهمات سياسية منحت الأحزاب الحريدية امتيازات، أبرزها الإعفاء من الخدمة العسكرية وتخصيص موارد مالية لمؤسساتها، مقابل دعم الحكومات المتعاقبة وضمان استقرار الائتلافات. ظل ملف المساواة في التجنيد موضع خلاف متكرر، رغم وجود أحكام قضائية لم تنجح في إنهاء الإعفاءات أو فرض تطبيقها بصورة شاملة.
استمر هذا التوازن الهش في ظل اعتقاد ساد داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن التطور التكنولوجي والتفوق الجوي والاستخباراتي يمكن أن يقلل الحاجة إلى جيش واسع يعتمد على التجنيد الشعبي. غير أن هجوم السابع من أكتوبر والحرب متعددة الجبهات أعادا طرح مسألة القوة البشرية بوصفها حاجة عسكرية ملحة، وكشفا عن حدود الرهان على التكنولوجيا وحدها.
قبل الحرب، كان تجنيد الحريديم يُطرح أساسًا في إطار الجدل حول المساواة وتقاسم الأعباء بين مكونات المجتمع الإسرائيلي. وكانت المطالبات بتوسيع التجنيد تقابل باعتراضات دينية وسياسية، قبل أن تنتهي الخلافات غالبًا إلى تسويات داخل الكنيست. لكن استمرار الحرب، وما فرضه من استنزاف للقوات النظامية والاحتياط، نقل القضية من سجال سياسي إلى أزمة تتصل بقدرة الجيش على توفير العدد الكافي من الجنود. فقد أمضى جنود الاحتياط فترات طويلة بعيدًا عن عائلاتهم وأعمالهم، فيما تواصلت العمليات العسكرية على جبهات عدة، وارتفعت كلفة الحرب البشرية والاقتصادية.
مع اتساع متطلبات القتال، عادت المؤسسة العسكرية لمواجهة سؤال أساسي: كيف يمكن توسيع قاعدة التجنيد وتوزيع الخدمة العسكرية على قطاعات المجتمع المختلفة؟ في هذا السياق، برزت الاحتجاجات الحريدية الرافضة للتجنيد، والتي شهدت تظاهرات وإغلاقًا للطرقات وهتافات ترفض الالتحاق بالجيش. ويعكس هذا الموقف خلافًا أعمق من مسألة الخدمة العسكرية؛ إذ تنظر قطاعات من المجتمع الحريدي إلى الجيش باعتباره مؤسسة تحمل مشروعًا للدمج في المجتمع العلماني، وترى أن الحفاظ على نمط حياتها الديني واستمرار دراسة التوراة يمثلان أولوية تتقدم على متطلبات الدولة العسكرية.
لا تقتصر تداعيات هذا الخلاف على العلاقة بين الحريديم والتيارات العلمانية، بل تمتد إلى داخل معسكر اليمين نفسه، ولا سيما الصهيونية الدينية التي يشارك أبناؤها في القتال، ويخدم كثير منهم في الوحدات القتالية ومواقع القيادة. ومع ارتفاع كلفة الحرب على هذه الفئات، تتزايد الاعتراضات على استمرار إعفاء قطاع واسع من الخدمة، في وقت تتحمل فيه قطاعات أخرى أعباء التجنيد والاحتياط والخسائر البشرية. وبذلك، يتآكل التحالف السياسي الذي جمع الأحزاب القومية الدينية بالأحزاب الحريدية، مع تصاعد الخلاف حول حدود الامتيازات الممنوحة للأخيرة، وحول مدى استعدادها للمشاركة في تحمل تبعات الحرب. لم يعد النقاش محصورًا في المساواة أمام القانون، بل بات مرتبطًا بتوزيع الأعباء الاقتصادية والعسكرية، وبمستقبل التفاهمات التي حكمت العلاقة بين هذه القوى لعقود.
لقد أعادت الحرب قضية «تقاسم العبء» إلى صدارة النقاش الإسرائيلي، بعدما كشفت التناقض بين حاجة الجيش إلى مزيد من الجنود واستمرار الإعفاءات التي يتمتع بها الحريديم. كما وضعت مؤسسات الدولة أمام اختبار قدرتها على تطبيق قراراتها القضائية والسياسية، في ظل رفض قطاعات دينية الاعتراف بأولوية متطلبات المؤسسة العسكرية على التزاماتها الدينية. لا تبدو الأزمة مجرد خلاف قانوني أو أزمة ائتلافية عابرة، بل تعكس صراعًا حول طبيعة المجتمع الإسرائيلي وحدود العلاقة بين الدولة والجماعات الدينية. فبين تصور الدولة القومية التي تتطلب مشاركة مواطنيها في مؤسساتها، وتمسك المجتمع الحريدي باستقلاليته الدينية والاجتماعية، تتسع الفجوة التي لم تعد التسويات السياسية التقليدية قادرة على احتوائها بسهولة.
مع استمرار الحرب واستنزاف قوات الاحتياط، تتزايد الضغوط لإعادة النظر في نظام الإعفاءات وتوسيع قاعدة التجنيد. وهكذا، لم تعد مسألة «جيش الشعب» مجرد شعار يرتبط بتاريخ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بل تحولت إلى اختبار للعقد الاجتماعي الذي قام على تفاهمات غير متكافئة بين مكونات المجتمع، وعلى افتراض أن أعباء الدولة يمكن أن تتحملها فئات دون أخرى.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة