فلسطين
سياسة

109 أعوام على وعد بلفور: فلسطين ترفض الاقتلاع وتتمسك بالهوية

الرسالة٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٨ ص0 مشاهدة
109 أعوام على وعد بلفور: فلسطين ترفض الاقتلاع وتتمسك بالهوية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "109 أعوام على وعد بلفور.. فلسطين عصية على الاقتلاع - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد مرور 109 أعوام على الوعد الذي فتح أبواب المأساة الفلسطينية، لا تزال فلسطين راسخة في وجدان أبنائها، وشعبها متمسكًا بأرضه رغم عقود من الاحتلال والتهجير والحروب ومحاولات الطمس والتغيير الديموغرافي. منذ أن أصدر وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور وعده بإقامة "وطن قومي لليهود" في فلسطين بتاريخ الثاني من نوفمبر 1917، لم تتوقف محاولات انتزاع الأرض، ولم يتوقف الفلسطينيون عن مقاومة المشروع الذي استهدف وجودهم وحقوقهم التاريخية. راهنت القوى التي صاغت الوعد على تحويل فلسطين إلى وطن بلا شعب، لكن الواقع أثبت أن الفلسطينيين لم يكونوا عابرين في تاريخ أرضهم، وأن ما تعرضوا له من نكبات ومجازر وتهجير لم ينجح في فصلهم عن جذورهم. من القرى المدمرة إلى المدن المحاصرة، وصولًا إلى قطاع غزة الذي يعاني حربًا مدمرة، بقيت الأرض عنوانًا للهوية والتمسك بالحقوق.

تحل الذكرى الـ109 لوعد بلفور في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأراضي والاعتداء على المقدسات، ومحاولات فرض وقائع جديدة، تقابلها إرادة فلسطينية متمسكة بالحق في الحرية وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة.

رسالة قصيرة صنعت مأساة ممتدة

في الثاني من نوفمبر 1917، وجه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، أعلن فيها دعم حكومته لإقامة "وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين"، وتعهدت ببذل الجهود لتسهيل تحقيق هذا الهدف. الرسالة، التي لم تتجاوز 67 كلمة، حملت تبعات سياسية وتاريخية عميقة، بمنح الحركة الصهيونية دعمًا رسميًا من قوة استعمارية كبرى، دون اعتبار لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. اللافت أن بلفور أشار إلى الفلسطينيين بعبارة "الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين"، مكتفيًا بالتعهد بعدم المساس بحقوقهم المدنية والدينية، متجاهلًا حقوقهم القومية والسياسية.

من الوعد إلى الانتداب.. تمهيد الطريق للمشروع الصهيوني

لم يكن وعد بلفور قرارًا مفاجئًا، بل جاء بعد سنوات من الاتصالات بين مسؤولين بريطانيين وقيادات الحركة الصهيونية، بقيادة حاييم وايزمان، الذي ربط المشروع بالمصالح الاستراتيجية لبريطانيا في المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى. بعد صدور الوعد، انتقل الدعم البريطاني إلى الالتزام الرسمي عبر نظام الانتداب. ففي مؤتمر سان ريمو عام 1920، أُسندت إلى بريطانيا مهمة الانتداب على فلسطين، وأقر مجلس عصبة الأمم صك الانتداب عام 1922، متضمنًا التزامات بتنفيذ وعد بلفور. دخل صك الانتداب حيز التنفيذ عام 1923، لتبدأ مرحلة جديدة من السياسات التي سهلت الهجرة اليهودية ودعمت المؤسسات الصهيونية. في المقابل، واجه الفلسطينيون سياسات الانتداب بالاحتجاج والثورة، إدراكًا منهم لطبيعة المشروع الذي يستهدف مستقبل وطنهم.

الفلسطينيون واجهوا الوعد بالثورات والتمسك بالأرض

منذ السنوات الأولى للانتداب، رفض الفلسطينيون وعد بلفور وما ترتب عليه، معبرين عن رفضهم عبر الاحتجاجات والإضرابات والمواجهات. وشهدت فلسطين محطات نضالية بارزة، مثل هبة البراق عام 1929، والثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، التي شكلت مواجهة شعبية مسلحة ضد الانتداب والمشروع الصهيوني. لم تكن تلك التحركات مجرد ردود فعل، بل عبّرت عن إدراك مبكر للخطر الذي يهدد الأرض والهوية والحقوق الوطنية.

النكبة.. الثمن الفلسطيني لوعد بلفور

في عام 1948، وقعت النكبة الفلسطينية مع قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي على جزء كبير من أرض فلسطين التاريخية، بعد عمليات تهجير قسري واسعة نفذتها العصابات الصهيونية، أدت إلى اقتلاع أكثر من 800 ألف فلسطيني وتدمير مئات القرى. تحولت النكبة إلى واقع ممتد، مع استمرار حرمان اللاجئين من حق العودة، ومصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات. رغم قسوتها، لم تنهِ النكبة الوجود الفلسطيني أو تمحو الذاكرة الجمعية، فقد حمل اللاجئون مفاتيح بيوتهم وحكاياتها، وظلت فلسطين حاضرة في وجدان أبنائها.

109 أعوام.. محاولات الاقتلاع مستمرة والتمسك بالأرض باقٍ

بعد أكثر من قرن على وعد بلفور، لا تزال السياسات التي تستهدف الأرض الفلسطينية تتواصل بأدوات مختلفة، من التوسع الاستيطاني إلى هدم المنازل. في قطاع غزة، تتجلى واحدة من أقسى صور المأساة المعاصرة بدمار واسع وعمليات نزوح متكررة. وفي الضفة الغربية والقدس، تتواصل الاعتداءات والاستيطان والاقتحامات. رغم ذلك، لم يتخلَّ الفلسطينيون عن أرضهم، وظل التمسك بها حاضرًا في تفاصيل حياتهم اليومية؛ في المزارع الذي يعود إلى أرضه، وفي العائلة التي تعيد بناء منزلها، وفي اللاجئ الذي يحتفظ بمفتاح بيته، وفي أبناء غزة الذين يصرون على البقاء. تحمل الأجيال الفلسطينية الجديدة الرواية ذاتها، وتتمسك بالهوية الوطنية والحق في العودة وتقرير المصير. مرور 109 أعوام على وعد بلفور يفتح الباب لقراءة مسار طويل من التواطؤ الدولي والتهجير والاحتلال. الوعد الذي ظن أصحابه أنه قادر على إعادة تشكيل فلسطين بمعزل عن شعبها، اصطدم بإرادة شعب لم يغادر ذاكرته وطنه، ولم يتنازل عن حقه في أرضه. يبقى السؤال الذي تجاهله بلفور حاضرًا: كيف يمكن أن يُقرر مصير وطن من دون إرادة أهله؟

شارك الخبر: