وعد بلفور: كيف هندست بريطانيا التمكين الاستعماري عبر تراكمات ممنهجة؟


هذا الخبر بعنوان "تصريح بلفور: هندسة المراكمة وصولا إلى التمكين الاستعماري" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير تحليل وعد بلفور، الصادر في 2 نوفمبر 1917، إلى أنه كان بمثابة هندسة دقيقة للمراكمة وصولاً إلى التمكين الاستعماري. فقد شهدت فلسطين زيادة ملحوظة في أعداد المهاجرين اليهود، حيث ارتفعت نسبتهم من أقل من 8% عام 1917 إلى أكثر من 30% عشية عام 1948، وذلك بفضل فتح باب الهجرة وتدفق المستوطنين تحت الحماية العسكرية البريطانية.
صدر وعد بلفور خلال الحرب العالمية الأولى، متعهدًا بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين مع ادعاء حماية حقوق غير اليهود نظريًا. ورغم اعتباره باطلًا قانونيًا لصدوره من بريطانيا قبل احتلالها فلسطين ودون سيادة عليها، فقد تجاهل التصريح حقيقة أن الفلسطينيين كانوا يشكلون أكثر من 92% من السكان.
قامت بريطانيا بتحويل هذا الوعد إلى صك انتداب من عصبة الأمم، مما منحها السلطة الإدارية لتنفيذ المشروع الصهيوني عبر تسهيل الهجرة وبناء مؤسسات موازية. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة اليهود في فلسطين من نحو 8% عام 1914 إلى أكثر من 31% عشية النكبة عام 1948 بفعل موجات الهجرة المدعومة بريطانيًا.
خلال فترة الانتداب، أسست الحركة الصهيونية مؤسسات اقتصادية وإدارية هامة مثل الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي، والتي مهدت لتمكين الكيان الصهيوني عام 1948. النص الأصلي لوعد بلفور، الذي صدر في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917، جاء فيه: "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليًا أنه لن يؤتى بعمل من شأنها أن ينقص من الحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية القائمة في فلسطين، أو الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".
اعتبر التصريح تجسيدًا لانحياز استعماري سافر، حيث تم استخدام مصطلحات مثل "وطن قومي" و"المجتمعات غير اليهودية" لإظهار السكان الأصليين كأقليات، وتغييب حقيقة أنهم أصحاب الأرض بنسبة تجاوزت 92% من السكان. كان وعد بلفور نقطة الانطلاق لمسار طويل من "هندسة المراكمة وصولًا إلى التمكين"، وهو مسار مدروس حولت فيه الخطوات الصغيرة والمتتالية على مدار عقود إلى واقع استيطاني مفروض على الشعب الفلسطيني.
يُعد وعد بلفور باطلًا قانونيًا وتاريخيًا من أساسه، فقد صدر عمن لا يملك لمن لا يستحق، وشكّل انتهاكًا صارخًا لحق الشعب الفلسطيني الأصلي في تقرير مصيره. انخرط المشروع الاستعماري في عملية مراكمة قانونية ودولية مزدوجة، حيث هندست بريطانيا الجريمة كـ "طرف منحاز"، ثم انتزعت "صك الانتداب" من عصبة الأمم لتنصب نفسها حاكمًا مطلقًا على الأرض. وهكذا تحول الوعد من رسالة سياسية إلى بند انتدابي ثم إلى غطاء أممي عبر قرار التقسيم، لتشرعن القوى الاستعمارية باطلًا تلو باطل.
لم تكتفِ بريطانيا بإصدار الوعد، بل عملت عمليًا على تحويل فلسطين إلى "جسر عبور" لخدمة المشروع الصهيوني القائم على عقيدة الاستيطان الإحلالي، الهادفة إلى اقتلاع المجتمع الأصلي وإبداله تدريجيًا. استغلت الحركة الصهيونية سنوات الانتداب لتطبيق استراتيجية "المراكمة" على عدة مستويات:
لم تقتصر الاستعدادات الصهيونية على البعدين العسكري والديموغرافي، بل انخرطت الحركة الصهيونية خلال حقبة الانتداب في بناء منظومة مجتمع مدني واقتصادية متكاملة وموازية للمجتمع الفلسطيني، لتعمل بمثابة "دولة ظل" جاهزة للتمكين. وتجسد ذلك عبر تأسيس الوكالة اليهودية كجهة شبه حكومية لإدارة شؤون الاستيطان والتفاوض، وإنشاء أذرع مالية واقتصادية كبرى مثل الصندوق القومي اليهودي (كيرن كايميت – KKL) والصندوق الأساسي (كيرن هيسود) المخصصين لشراء الأراضي ووقفها لصالح الاستيطان، إضافة إلى بنك أنجلو-فلسطين (بنك لئومي لاحقًا) لتمويل المشاريع. كما امتد الأمر ليشمل اتحاد العمال (الهستدروت) الذي احتكر الإنتاج ومنع العمل العربي، وصولًا إلى شبكات الرعاية والتعليم المستقلة كمنظمة "فيتسو" وشبكات الصحة، لتتراكم هذه الأدوات المدنية وتؤسس لبنية كيان كامل ومستقل على الأرض قبل عام 1948.
ساهم تواطؤ الصمت الدولي في غض المنظومة الدولية البصر عن هذه المراكمة الممنهجة، مما جعل الخطيئة تباعًا مسؤولية كبرى تتحملها القوى الكبرى التي تواطأت مع هذا التمكين. إن تلك الخطوات المتراكمة لم تكن سوى أدوات هندسية دقيقة صُممت خصيصًا لنقل المشروع الصهيوني من مرحلة "الرعاية والحماية البريطانية" إلى مرحلة التمكين الفعلي على الأرض عام 1948؛ وما النكبة سوى تتويج لهذا المسار وتعميق له عبر مراكمة مستمرة للتهجير، وسلب الأراضي، وتدمير الجغرافيا حتى يومنا هذا.
في الختام، تكشف قراءة وعد بلفور بمنظور "هندسة المراكمة وصولًا إلى التمكين" أن الاستعمار لا ينجح بضربة واحدة بل بخطوات تتراكب تدريجيًا. وفي المقابل، فإن أكثر ما يحتاجه الشعب الفلسطيني في هذا الوقت تحديدًا هو مراكمة الصمود، والوعي، والذاكرة الجمعية، ومأسسة العمل الجماهيري وتأسيس نقابات عمالية والاحتفاظ بالسردية الفلسطينية عبر الأجيال، واثقين بأن كل بناء قام على الباطل والتراكم الاستعماري مصيره التصدع والانهيار أمام إرادة أصحاب الأرض الأصليين.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة