غزة تحت حصار الموت: إسرائيل تدير إبادة ممنهجة تتجاوز الحرب إلى اغتيال وجودي


هذا الخبر بعنوان "مقال: نيكروبولتيك اسرائيل في غزة - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
غزة، 03 نوفمبر 2026 - يشهد قطاع غزة مشهداً إنسانياً وسياسياً بالغ التعقيد، حيث لم يعد الخطاب العاطفي كافياً لوصف ما يحدث، بل بات لزاماً تفكيك مشروع إبادة يُدار بعقل بارد. فالاحتلال الإسرائيلي لا يمارس القتل بدافع الانتقام، بل كأداة لإعادة هندسة الوجود الفلسطيني، وهو ما تصفه الأدبيات الأوروبية بـ "سياسة الموت" (نيكروبولتيك) والاقتلاع البطيء. وتؤكد وزارة الصحة في غزة أن الحصيلة الكلية للشهداء منذ السابع من أكتوبر 2023 بلغت 74 ألف شهيد و178 ألف جريح، مع تدمير 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية، واصفةً الوضع بأنه "سجل جنائي كامل" وليس مجرد حرب.
الأخطر من ذلك، أن الجريمة تستمر حتى في ظل الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في 11 أكتوبر 2025. فمنذ ذلك التاريخ، استشهد 1580 فلسطينياً وانتشلت جثامين 845 شهيداً، وفي الأسبوع الأخير وحده، سقط 42 شهيداً و218 مصاباً. ويوم الأحد الماضي، استشهد 9 أشخاص، بينهم 5 من الشرطة المدنية في المواصي أثناء تأدية واجبهم، مما يدل على أن الاحتلال حول الهدنة من آلية تهدئة إلى آلية لإدارة القتل.
يتم تعطيل الهدنة عبر ثلاثية التحكم الأمني، والحصار الإنساني، والاغتيال المؤسساتي. فإسرائيل تمنع إدخال الدواء والوقود ومولدات الكهرباء، وتترك 35 بالمئة فقط من المرافق الصحية تعمل جزئياً، مما يترك آلاف حالات السرطان بلا علاج، منها 105 حالات جديدة في عام 2026. كما تقصف خيام النازحين في خان يونس والشاطئ، وهو ما وصفه مركز الميزان بأنه "تزامن متعمد بين القصف والخنق"، معتبراً إياه جريمة مركبة.
ما يجري هو اغتيال سياسي واقتصادي مزدوج. فالاغتيال السياسي يعني تدمير فكرة الدولة والتمثيل والأمن المجتمعي عبر قصف الشرطة المدنية وقتل 75 عنصراً منها منذ الهدنة. أما الاغتيال الاقتصادي، فيعني تدمير كل مقومات الإنتاج وإبقاء مليوني إنسان رهائن للمساعدات التي لا تدخل، ثم الحديث عن "اليوم التالي" وكأن الفلسطيني مطالب بالعيش بلا ماء ولا كهرباء. هذه هي "الفاشية الجديدة" التي ترى في الفلسطيني فائضاً بشرياً يجب التحكم به.
لم تعد الأزمة الإنسانية مجرد نقص، بل أصبحت بنية مستعصية. فالناس يواجهون شتاءهم الرابع في خيام، وسيارات الإسعاف لا تصل بسبب مسيرات الكواد كابتر، وجثامين الشهداء تحت الركام لا تنتشل، والمستشفيات بلا تخدير. هذا الوضع يجعل مصطلح "الكارثة" قاصراً، فنحن أمام موت بطيء ممنهج، وأمام تنمية عكسية تعيد المجتمع عقوداً إلى الوراء بقرار احتلالي، وليس بكارثة طبيعية.
الصمت الدولي على خرق الهدنة يكشف ازدواجية المعايير التي كتب عنها فهمي هويدي طويلاً. فالغرب الذي أقام محاكم لجرائم في مناطق أخرى خلال شهور، لا يستطيع تسمية ما يحدث في غزة "إبادة"، رغم الأرقام، ورغم شهادة وزارة الداخلية أن الشرطة تُقتل أثناء واجب مدني، ورغم تحذيرات الأمم المتحدة. ويرد الاحتلال بمزيد من القصف شرق المغازي وجباليا وحي الرمال، مما يعني أن الاحتلال لا يريد هدنة، بل هدوءاً يخدم مصالحه.
الخلاصة هي أن إسرائيل لا تدير صراعاً، بل حصاراً وجودياً يهدف إلى تصفية القضية عبر تجويع غزة واغتيالها سياسياً واقتصادياً. والهدنة التي لا تضمن وقف القتل، وإدخال الدواء والوقود، وإعادة بناء المستشفيات، هي هدنة مزيفة. المطلوب ليس مجرد إحصاء 74594 شهيداً و1580 بعد الهدنة، بل تحويل هذه الإحصاءات إلى موقف فلسطيني وعربي وأوروبي موحد يفرض رقابة دولية، ويحاكم مجرمي الحرب، ويكسر منطق الاغتيال المزدوج. وإلا، فإن جيلاً كاملاً سيكبر تحت الركام، وينظر للعالم كشريك في الجريمة، لا كشاهد عليها.
سياسة
اقتصاد
عاجل
سياسة