فلسطين
سياسة

من يراقب تدفق المساعدات الفردية في غزة؟ تساؤلات حول الشفافية والمساءلة

الرسالة٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٦:٥٠ م0 مشاهدة
من يراقب تدفق المساعدات الفردية في غزة؟ تساؤلات حول الشفافية والمساءلة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من يراقب عمل المبادرات الفردية في غزة؟ - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في غزة، برزت ظاهرة المبادرين الأفراد كقنوات موازية لجمع الأموال وشراء وتوزيع المساعدات الإنسانية على النازحين والأسر الأكثر احتياجاً، خاصة منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر 2023. هذه الظاهرة، التي نشأت في بيئة استثنائية، تأتي في ظل تصاعد الاحتياجات الإنسانية الحادة، حيث واجه نحو 2.1 مليون فلسطيني في غزة مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي في مايو 2025، مع توقع دخول 470 ألف شخص في مرحلة كارثية. في ظل هذه الفجوة الإنسانية المتزايدة، وغياب منظومة موحدة للتقييم والمساءلة، تحولت المبادرات الفردية إلى لاعب رئيسي في توزيع المساعدات، مما يطرح تساؤلات ملحة حول مراقبة هذه الأموال وضمان وصولها لمستحقيها.

يقول المبادر الفلسطيني، الذي يُشار إليه باسم "بلال"، إن واقع المبادرات الإنسانية في غزة متنوع، حيث تتلقى بعض المبادرات دعماً من مؤسسات دولية، وأخرى من تنظيمات أو أحزاب أو عائلات، بالإضافة إلى مبادرين يعتمدون على شبكات أهل الخير والمتبرعين. هذا التنوع أدى إلى تفاوت كبير في حجم المبادرات وتأثيرها. وأشار "بلال" إلى أن بعض المبادرين أصبحوا أكثر حضوراً وتأثيراً من الجمعيات والمؤسسات الإنسانية العاملة، مما يستدعي التعامل مع هذه الظاهرة كجزء مؤثر من منظومة العمل الإغاثي.

أوضح "بلال" أنه تمكن من فتح قنوات تواصل مع مبادرين وأهل خير في دول مثل باكستان، مؤكداً على حجم الدعم الدولي والشعبي الكبير للقضية الفلسطينية. كما دفعت الظروف بعض الجهات والمؤسسات إلى الاعتماد على المبادرين في توفير احتياجات أساسية، لكن هذا التوسع يفتح أسئلة حول آليات الرقابة والتقييم والمساءلة. وتتمثل إحدى الإشكاليات في أن عمل كثير من المبادرين لا يخضع لمنظومة تقييم موحدة أو ضوابط واضحة تضمن الشفافية ومتابعة مصادر الأموال وآليات صرفها.

في غياب منظومة مؤسسية شاملة، يبقى المبادر مسؤولاً أمام ضميره والمتبرعين. ورغم الدور المهم الذي يؤديه المبادرون في سد الفجوات الإنسانية، إلا أن الحاجة ماسة لإيجاد آليات تنظيم ورقابة تحفظ ثقة المتبرعين وتمنع أي تجاوزات محتملة.

يوجد في فلسطين قانون لتنظيم العمل الأهلي (قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية رقم (1) لسنة 2000)، الذي يلزم الجمعيات بتحديد مواردها وطرق التصرف بها وآليات الرقابة المالية. إلا أن المشكلة تكمن في المسافة بين الجمعية المسجلة والمبادر الفرد الذي يجمع التبرعات عبر شبكات شخصية أو منصات رقمية. هذه الفجوة تصبح أكثر أهمية مع تضخم حجم الاحتياجات، حيث قدمت الدول المانحة في يوليو 2025 نحو 738 مليون دولار فقط من أصل 4 مليارات دولار طلبتها الأمم المتحدة.

يرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن المبادرات الفردية لم تخلق اقتصاد الظل، بل نشأ هذا الاقتصاد بفعل انهيار القطاعات الرسمية والإنتاجية والحكومية تحت تأثير الحرب. وانكمش اقتصاد غزة في عام 2024 بنحو 83%، وتفاقمت أزمة السيولة النقدية في بداية 2025. وأشار أبو قمر إلى أن إسرائيل عملت على تجريد المؤسسات الرسمية من أدوارها، مما سمح لاقتصاد غير منظم بالهيمنة. وفي هذا السياق المنهار، لم تكن المبادرات استثناءً، بل ولدت داخل منظومة مختلة أصلاً.

لعبت بعض المبادرات دوراً غير مباشر في تعميق الأزمة الاقتصادية، حيث اتجه المبادرون إلى شراء كميات كبيرة من السوق دون مفاصلة، مما ساهم في تثبيت أسعار مرتفعة. كما وصلت نسبة "التكييش" في بعض الفترات إلى نحو 52%، مما عزز الطلب على النقد وعمق أزمة السيولة. بالإضافة إلى ذلك، روّجت بعض المبادرات لمشاريع مثل ذبح الخراف وتوزيع اللحوم، في وقت كانت فيه هذه السلعة نادرة، مما أوصل للعالم انطباعاً مضللاً بأن الغذاء متوفر.

تُعطل الحرب أدوات الرقابة، فالمشكلة ليست في وجود المبادرات، بل في أن حجم دور بعض المبادرين لم يعد يتناسب مع مستوى التنظيم والشفافية المتاح. يطرح هذا تساؤلات حول كمية الأموال المجمعة، وكيفية إنفاقها، ومن هم المستفيدون. يقول مستشار المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، تيسير محيسن، إن المبادرات الفردية لعبت دوراً إيجابياً، لكنها لا تخلو من اختلالات في آليات التوزيع، ترتبط بظروف الحرب وتراجع قدرة الجهات الحكومية على التنظيم والإشراف.

يشير محيسن إلى وجود متابعة لآليات التوزيع وتوجيه المبادرين، لكن الاستهداف الإسرائيلي المباشر يحد من قدرة الجهات الحكومية على الرقابة الشاملة. كما أن الظروف الأمنية تحول دون إنشاء جسم تنسيقي مركزي علني. تحاول الجهات المختصة استيعاب المبادرات وربطها بالاحتياجات القطاعية، بانتظار ظروف تسمح بمنظومة أكثر تكاملاً. وشدد محيسن على ضرورة تعزيز التنسيق والتوجيه للمبادرين، ومعالجة الاختلالات لضمان وصول المساعدات بصورة عادلة ومنظمة.

في الأشهر الأخيرة، تداولت اتهامات عبر منصات التواصل الاجتماعي ضد بعض المبادرين بالاستغلال أو الاكتناز. ورغم أن غياب الرقابة لا يعني تلقائياً وقوع فساد، إلا أن عدم وجود آلية واضحة للتحقق يضعف ثقة المتبرعين والمستحقين. تضخمت هذه المشكلات نتيجة ظروف الحرب وتراجع قدرة الجهات الحكومية على الرقابة الميدانية، بالإضافة إلى الاستهداف الإسرائيلي للمقار الحكومية.

أكدت مصادر أمنية أنه تم تقييد سفر عدد من المبادرين ممن ترد أسماؤهم في عمليات جمع مبالغ مالية كبيرة، في إطار محاولات ضبط حركة الأموال. وتواجه الجهات المختصة صعوبات كبيرة في مراقبة عمل المبادرات والمؤسسات، بسبب الاستهداف الإسرائيلي المتكرر لمقارها، مما أضعف قدرتها على المتابعة الميدانية. كما مارست سلطات الاحتلال ضغوطاً وتهديدات بحق بعض المبادرين لمنعهم من التواصل مع الجهات الحكومية.

تبقى الرقابة عالقة بين حاجة إنسانية ملحة وقدرة مؤسسية محدودة. أكد وائل بعلوشة، مدير مكتب ائتلاف أمان في قطاع غزة، أن المبادرين يشكلون جزءاً مهماً من منظومة تقديم المساعدات، مما يستدعي تعزيز التنسيق بينهم وبين مختلف الفاعلين لضمان عدالة التوزيع والحد من الازدواجية. وشدد على أهمية التزام المبادرين بتقديم توضيحات دورية لتعزيز الشفافية والمساءلة.

حتى الآن، تبدو الإجابة موزعة بين المتبرع، وضمير المبادر، والجهات الحكومية ذات القدرة المحدودة على الرقابة. هذه الفجوة هي واحدة من أهم الملفات التي تحتاج إلى تحقيق ومتابعة.

شارك الخبر: