إسرائيل بعد 109 أعوام: من وعد بلفور إلى أزمات السابع من أكتوبر، هل تصمد الدولة؟


هذا الخبر بعنوان "هل تستطيع إسرائيل الحفاظ على تماسكها؟ 109 أعوام بين وعد بلفور والسابع من أكتوبر" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يستعرض هذا المقال التحول الجذري في مسار المشروع الصهيوني، مقارنًا بين الجهود المنظمة التي أدت إلى وعد بلفور عام 1917، والأزمات المتشعبة التي تواجه دولة الاحتلال اليوم بعد مرور 109 أعوام، لا سيما عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023.
في عام 1917، لم يكن وعد بلفور مجرد مبادرة سياسية، بل كان تتويجًا لجهود دبلوماسية وسياسية دؤوبة قادها مؤسسو المشروع الصهيوني. هؤلاء الرواد أدركوا أهمية تقديم الهدف الاستراتيجي الأسمى على أي خلافات تنظيمية أو شخصية. بفضل رؤيتهم الواضحة وقدرتهم على حشد الدعم السياسي والمالي والدولي، استغلوا التحولات العالمية لانتزاع الاعتراف البريطاني، الذي شكل حجر الزاوية في تأسيس دولة الاحتلال.
بعد مرور 109 أعوام، تبدو الصورة مغايرة تمامًا. فالدولة التي قامت على أساس مشروع موحد، تجد نفسها اليوم غارقة في أزمات متعددة الأوجه، تتجاوز حدود المواجهات العسكرية لتشمل بنية الدولة ومؤسساتها والمجتمع الإسرائيلي ككل. هذه الأزمات تثير تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها واستقرارها.
شكل السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحول فارقة في التاريخ الحديث لدولة الاحتلال. لم يقتصر تأثيره على المفاجأة العسكرية واختراق المنظومة الأمنية، بل أحدث صدمة عميقة في الوعي الإسرائيلي، محطمًا صورة التفوق الاستخباراتي والردع التي كانت ترتكز عليها الثقة في الدولة ومؤسساتها. كشف هذا اليوم عن إخفاقات أمنية واستخباراتية وعسكرية جسيمة، وأعاد فتح باب المساءلة للقيادة السياسية والعسكرية، وطرح مجددًا أسئلة جوهرية حول مفهوم الأمن الإسرائيلي وفعالية السياسات المتبعة تجاه قطاع غزة والقضية الفلسطينية.
لم تتوقف تداعيات السابع من أكتوبر عند الإخفاق الأولي. فالحرب الطويلة على غزة، وما صاحبها من خسائر بشرية ومادية، وضعت المجتمع الإسرائيلي تحت ضغوط متزايدة. وقد عمقت هذه الحرب الخلافات الداخلية بشأن إدارة الحرب، وأولويات القيادة، وملف الأسرى، ورؤية اليوم التالي، بالإضافة إلى مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين. كما أعادت هذه التطورات إلى الواجهة التصدعات السياسية والاجتماعية داخل دولة الاحتلال، ووسعت فجوة الثقة بين شرائح واسعة من المجتمع ومؤسسات الدولة، مما أظهر صعوبة التوصل إلى توافق داخلي حول القضايا المصيرية في وقت يتطلب قرارات استراتيجية حاسمة.
تكمن المفارقة التاريخية في أن الجيل المؤسس، رغم خلافاته، نجح في تقديم الهدف الاستراتيجي على المصالح الحزبية والشخصية. في المقابل، تواجه القيادات الإسرائيلية الحالية صعوبات جمة في إدارة خلافاتها الداخلية وتوحيد رؤيتها بشأن تشكيل الحكومة ومستقبل الدولة. إن أزمة دولة الاحتلال اليوم ليست مجرد أزمة حكومية أو إخفاق عسكري عابر، بل هي تداخل لأبعاد أمنية وسياسية واجتماعية واستراتيجية، حيث تتقاطع تداعيات السابع من أكتوبر مع تناقضات داخلية متراكمة وتحديات إقليمية ودولية.
لا يعني هذا أن انهيار الدولة أصبح حتميًا أو أن زوالها بات وشيكًا. فالدول لا تسقط بالضرورة نتيجة صدمة واحدة، كما أن القدرات العسكرية والاقتصادية والتحالفات الدولية التي تمتلكها دولة الاحتلال تمثل عناصر قوة لا يمكن تجاهلها. ومع ذلك، فإن استمرار الأزمات وتراكمها قد يؤثر سلبًا على قدرتها على إدارة الصراعات، واتخاذ القرارات، والحفاظ على تماسك مؤسساتها ومجتمعها.
لقد أعاد السابع من أكتوبر طرح سؤال ظل يتردد في الحسابات الإسرائيلية: هل يمكن لدولة أن تضمن أمنها واستقرارها إلى ما لا نهاية بالاعتماد على التفوق العسكري، بينما تظل جذور الصراع مع الشعب الفلسطيني قائمة؟ بين وعد بلفور وتداعيات السابع من أكتوبر، تمتد مسافة 109 أعوام؛ بدأت بمشروع استطاع مؤسسوه توحيد جهودهم لتحقيق هدف التأسيس، ووصلت إلى دولة تواجه اختبارًا مركبًا يتعلق بقدرتها على إدارة أزماتها الداخلية والخارجية والحفاظ على تماسكها. فإذا كان جيل المؤسسين قد نجح في الدفع بمشروعه عبر تقديمه على خلافاته، فكيف ستتعامل القيادات الحالية مع خلافات باتت تتشابك مع أسئلة الحكم والأمن ومستقبل الدولة؟ هذا هو السؤال الذي أعاد السابع من أكتوبر طرحه، ليس كحدث عسكري عابر، بل كمحطة كشفت عن إخفاقات وتصدعات، وأعادت فتح النقاش حول مستقبل دولة تأسست قبل أكثر من سبعة عقود، بعد عقود من العمل السياسي والتنظيمي الذي سبق وعد بلفور ومهّد له.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة