من 'الأرض مقابل السلام' إلى 'الأرض مقابل السلامة': تحول جذري في القضية الفلسطينية


هذا الخبر بعنوان ""الأرض مقابل السلامة"! | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
حتى وقت قريب، كان الشعار السائد هو "الأرض مقابل السلام"، بكل ما يحمله من تطلعات وتنازلات واختلالات، حيث كان يُفترض وجود قضية سياسية وأرض محتلة وشعب له حقوق وطنية، وأن الطريق إلى السلام يمر عبر معالجة هذه الجوانب. أما اليوم، فتبدو المعادلة في طور التغير لتصبح أقرب إلى "الأرض مقابل السلامة". في قرى مثل "قصرة" وغيرها، لم يعد السؤال الرئيسي هو من يملك الأرض، بل من يستطيع البقاء فيها. تشهد العائلات حصارًا، وتُقلع الأشجار، وتُحرق الممتلكات، ويتكرر إرهاب المستوطنين لدرجة أن الخبر يكاد يفقد قدرته على الصدمة. في هذا السياق، لا يكفي وصف ما يحدث بأنه "عنف"، فالاستيطان يتجاوز مجرد بناء البيوت على تلال الضفة أو توسيع الخرائط؛ إنه يعيد تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا معًا. عندما يصبح الوصول إلى الأرض خطرًا، والطريق إلى البيت غير آمن، فإن السيطرة على الأرض يمكن أن تتحقق دون الحاجة إلى قرارات رسمية بالمصادرة. يصبح الإرهاب أداة للسيطرة، وهذا هو البعد الاستعماري الذي يضيع وسط التفاصيل اليومية. المسألة ليست فقط ما يفعله المستوطن، بل ما ينتج عن ذلك على الأرض: هل يبقى الفلسطيني في مكانه ويمارس حياته، أم تصبح الحياة نفسها عملية تفاوض يومية مع الخوف؟ وعندما تصل الأمور إلى هذه المرحلة، لا يعود "العنف" منفصلًا عن الاستيطان، بل يصبح أحد أدواته.
لفهم هذا التحول، علينا النظر إلى الصورة الأوسع. ما جرى في غزة خلال السنوات الماضية كشف عن حجم المأساة الإنسانية وحدود النظام العربي والدولي في إنتاج الردع. في المقابل، بقي الموقف العربي والفلسطيني الرسمي عاجزًا عن فرض أي كلفة سياسية تغير المعادلة. هذا العجز لم يبق محصورًا في غزة؛ فالمستوطن الذي لا يحاسب على أفعاله ويرى توسعًا استيطانيًا مستمرًا، يقابله رد فعل عربي ودولي بارد لا يتجاوز الإدانة، مما يرسل رسالة واضحة بأن الطريق مفتوح للمزيد. الأمر لا يتعلق فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا بتراجع سياسي عربي طويل، انتقلت خلاله القضية من كونها مركزية إلى ملف تتعامل معه الدول بحسب مصالحها وحساباتها المباشرة.
لعل الأونروا تقدم المثال الأوضح على هذا التحول. القضية التي بدأت كقضية شعب اقتُلع من أرضه، يمكن أن تتحول تدريجيًا - إذا تغير إطار النظر إليها - من قضية سياسية تتعلق بالاقتلاع والحقوق والعودة، إلى قضية وكالة تقدم الخدمات لمن تبقى من اللاجئين. الأونروا لم تكن مجرد وكالة تقدم الغذاء والتعليم والرعاية الصحية للاجئين؛ فوجودها بحد ذاته كان تذكيرًا للعالم بأن هناك قضية لم تُحل، وأن وراء المخيم و"كرت المؤن" قصة اقتلاع وتهجير لم تنتهِ. لهذا، فإن إضعافها أو تفكيكها لا يعني فقط خسارة مؤسسة إنسانية، بل يفتح الباب أمام تحويل قضية اللاجئين تدريجيًا من قضية سياسية إلى قضية خدمات يمكن إيكالها لمؤسسات أخرى. هنا تلتقي غزة والضفة والأونروا في صورة واحدة: ففي غزة، يمكن اختزال الكارثة في المساعدات وإعادة الإعمار؛ وفي الضفة، يمكن اختزال القضية في الأمن وإرهاب المستوطنين؛ وبالنسبة للاجئين، يمكن اختزال القضية في الخدمات. في الحالات الثلاث يبرز خطر واحد: تفتيت القضية السياسية إلى ملفات إنسانية وأمنية منفصلة. يصبح اللاجئ بلا قضية، والفلسطيني في الضفة بلا أرض أو أمن، وفي غزة ينتظر المساعدات وإعادة الإعمار، بينما القضية الحقيقية خارج المشهد.
وبالتالي، بدلًا من أن يكون السؤال: "كيف ينتهي الاحتلال ويستعيد الفلسطيني حقوقه؟"، يصبح: "كيف نساعد الفلسطيني على تحمل الاحتلال؟". بدلًا من أن يكون اللاجئ صاحب حق، يصبح متلقي خدمة. بدلًا من أن تكون الأرض قضية تحرر وسيادة، تصبح موضوعًا للحماية والسلامة. هنا نعود إلى "قصرة" مرة أخرى؛ فحصار العائلات داخل بيوتها ليس مجرد حالات تحتاج إلى حماية مؤقتة، بل هناك شعب كامل يدفعه الواقع إلى الدفاع عن حقه في مجرد البقاء. يصبح السؤال: "من التالي؟"، والمقصود ليس القرية التالية، بل المرحلة التالية من القضية نفسها: هل يبقى صاحب قضية سياسية وحقوق وطنية وحق في الأرض والعودة، أم يتحول تدريجيًا إلى مجموعة ملفات منفصلة؛ لاجئ يحتاج إلى مساعدة، وعائلة تحتاج إلى حماية، وأرض تحتاج إلى إدارة؟
"الأرض مقابل السلام" يتحول تدريجيًا إلى "الأرض مقابل السلامة". بكلمات أخرى، ما الذي سيبقى من القضية الفلسطينية إذا نجح العالم في إدارة نتائجها، بينما بقيت أسبابها قائمة؟ لأن الاحتلال لا يحتاج دائمًا إلى الانتصار في معركة واحدة؛ بل يكفيه أحيانًا أن تتحول القضية مع الوقت إلى مشكلة إنسانية، ثم أمنية، ثم إدارية. وعندها لا تكون الأرض وحدها قد تغيرت، بل تكون القضية ذاتها قد أُعيد تعريفها. فيبقى الاحتلال، ويصبح المطلوب إدارة آثاره؛ ويبقى اللاجئ، لكن يتحول من صاحب حق إلى مستفيد؛ وتبقى الأرض، لكن يصبح السؤال: "كيف نحمي من عليها، لا لمن تعود؟". وعندها يبقى السؤال الذي حاول كل هذا التحول تجاوزه: من يملك الحق في الأرض، ومن يملك القدرة على البقاء فوقها؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة