تنويه
هذا الخبر بعنوان "القدس.. حيث تلتقي المادة بالمعنى | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تكتسب القدس قدسيتها من احتضانها للمسجد الأقصى، أولى القبلتين للمسلمين. لكن هذه القدسية تتجاوز مجرد كونها قبلة أولى أو موقعًا تاريخيًا، فهي تمثل شاهدًا عظيمًا على انتقال أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى موقع القيادة الحضارية. المسجد الأقصى كان مسرحًا لمعجزة الإسراء والمعراج، التي جعلت من القدس نقطة التقاء بين الأرض والسماء، وبين عالم الإنسان وعالم الغيب. إمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنبياء في المسجد الأقصى، ثم معراجه إلى حضرة ربه، تجسد الحقيقة المتكاملة للإسلام، حيث تتجلى الأرض والسماء، والمادة والروح، والإنسان والعالم الإلهي، كحلقات متكاملة في حقيقة واحدة، لا كعوالم منفصلة. حادثة الإسراء والمعراج هي رد إلهي على التصورات التجزيئية التي تفصل بين الدين والحياة، وبين المادة والمعنى. ومن هنا، يقع على أمة محمد صلى الله عليه وسلم واجب فهم هذا التكامل والحفاظ على وحدتها وتماسكها. فالتصور الإسلامي للحياة ليس تجزيئيًا؛ الإيمان ليس منفصلًا عن الحياة، والمادة ليست بمعزل عن المعنى، والدنيا ليست عالمًا منفصلًا عن الآخرة. كل هذه المجالات تتكامل في ظل حقيقة التوحيد، الذي يتجاوز مجرد الإيمان بوحدانية الله إلى القدرة على قراءة الحياة كلها في ضوء هذه الوحدة.
تاريخ القدس يعكس هذه الحقيقة؛ فقد تعرضت للاحتلال وانتقلت السيطرة عليها بين قوى متعددة، لكنها بقيت مؤشرًا على حالة العالم الإسلامي. فعندما يجتمع المسلمون على رؤية متكاملة ومشروع حضاري موحد، تظهر قوتهم في القدس. وعندما يصيبهم التفكك والانقسام، يظهر أثر ذلك في المدينة المقدسة. في المراحل التي جمع فيها المسلمون بين المادة والمعنى، والدنيا والآخرة، والعقل والوحي، والقوة والعدل، بقيت القدس تحت سيطرتهم. وحين فقدوا وحدتهم الداخلية وتجزأت رؤيتهم، انتقلت السيطرة على القدس إلى قوى أخرى. لذا، فإن تاريخ القدس هو في جانب منه تاريخ علاقة المسلمين بحقيقتهم الحضارية والإيمانية.
القدس اليوم أسيرة، وهذا الأسر ليس مجرد احتلال لأرض، بل هو انعكاس لحالة التمزق التي يعيشها المسلمون. فهم يعانون من الانقسام السياسي، والتجزئة الفكرية والتصورّية. فصل المادة عن المعنى، وحصر الدين في مجال ضيق، والنظر إلى العالم بمقاييس علمانية تجزيئية، كلها عوامل تعيق إعادة بناء وحدة الأمة. فالتوحيد في الفعل يتطلب توحيدًا في الفكر، ولا يمكن لجماعة أن تجتمع حول هدف ما لم تلتقِ على أرضية مشتركة من الحقيقة والتصور. الفكر المجزأ يولد إرادة مجزأة، والمجتمع والأمة يتشكلان بناءً على ذلك.
لذلك، فإن الانتقال من النظرة العلمانية التجزيئية إلى الرؤية التوحيدية المتكاملة يمثل قضية بالغة الأهمية. نهوض الأمة ليس مسألة سياسية أو عسكرية فحسب، بل هو قبل ذلك مسألة فكرية وتصورّية وحضارية. والقدس رمز لهذا التحول، تذكّر المسلمين بأصلهم وجذورهم ونوع الحضارة التي يحملونها. المسجد الأقصى، مسرح الإسراء والمعراج وأولى القبلتين، هو مركز للذاكرة الإسلامية. الدفاع عن القدس يعني الحفاظ على وحدة الأمة، ووعيها بتاريخها، وقدرتها على إعادة بناء رؤيتها التوحيدية للحياة.
للقدس مكانة خاصة عند الأتراك أيضًا؛ فقد ظلت قرونًا طويلة جزءًا من الدولة العثمانية، شأنها شأن إسطنبول ودمشق والقاهرة. لم ينظر العثمانيون إلى القدس كأرض سياسية فحسب، بل كمدينة مقدسة ذات مكانة دينية وعلمية وحضارية، وحرصوا على صيانة عمرانها ومؤسساتها ونظام التعايش فيها. لهذا الارتباط التاريخي، فإن القدس بالنسبة للأتراك قضية تاريخية ووطنية ودينية. يجب أن نتساءل: لماذا فقدناها؟ وما التحول الذي نحتاجه لاستعادة قدرتنا على حماية مقدساتنا؟ الطريق إلى القدس يمر عبر إعادة بناء الإنسان المسلم والأمة على أساس الوحدة والتكامل. فالقدس تذكّرنا: حين يفقد المسلمون وحدتهم، تُفقد القدس؛ وحين يستعيدون وحدتهم، تعود القدس إلى الأفق. قضية القدس هي في جوهرها استعادة الأمة لوحدتها. علينا بناء تصور حضاري متكامل لا يفصل بين المادة والمعنى، العقل والوحي، الدنيا والآخرة؛ لأن تحرير القدس سيكون علامة على عودة المسلمين إلى حقيقتهم، واستعادتهم لوحدتهم ودورهم في التاريخ.
أخبار ذات صلة
سياسةمئات الفلسطينيين يحتفون بالمولد النبوي في المسجد الأقصى رغم قيود الاحتلال
ثقافةأبو عبيدة: من صوت المقاومة إلى أيقونة خالدة في الوجدان الفلسطيني والعربي
ثقافةأبو عبيدة: الذكرى الأولى لرحيل أيقونة المقاومة وصوت الرواية الحقيقية
سياسة
