غزة تحت وطأة المجهول: رائحة غريبة تثير القلق في سمائها


هذا الخبر بعنوان "غزة تتنفس المجهول.. ما الذي يحدث في سمائها؟ - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تسللت رائحة نفاذة وغير مسبوقة إلى منازل وخيام ومراكز نزوح في مدينة غزة، مستيقظةً السكان في ساعات الليل. وصف البعض الرائحة بأنها تشبه مياه الصرف الصحي أو الحيوانات النافقة، بينما قارنها آخرون بالكبريت والمواد المحترقة. تكررت الشهادات من أحياء متفرقة مثل الشجاعية، التفاح، الدرج، الزيتون، الصحابة، النصر، الشيخ رضوان، ومخيم الشاطئ، وصولًا إلى مناطق شمال القطاع. أفاد سكان بمشاهدة أجسام أو ما وصفوها بـ"الفقاعات" في الجو، وتشير شهادات محلية إلى إطلاقها من مسيّرات إسرائيلية قبل انتشار الرائحة التي استمرت لنحو ساعة ونصف في بعض المناطق. حتى الآن، لا تتوفر تحاليل مخبرية مستقلة لتحديد طبيعة المادة أو تركيبها الكيميائي، مما يجعل الجزم بمصدرها أو آثارها الصحية أمرًا صعبًا.
تأتي هذه الحادثة في ظل بيئة ملوثة أصلاً في قطاع غزة، حيث أدت سنوات من القصف، وتراكم الركام، وتعطل شبكات الصرف الصحي، وانتشار مكبات النفايات إلى تلوث الهواء بمصادر متعددة، بعضها مرئي كالغبار والدخان، وبعضها الآخر يتطلب مختبرات وأجهزة رصد غائبة عن القطاع. تعيد هذه الرائحة الغريبة طرح سؤال حول جودة الهواء الذي يتنفسه سكان غزة.
لا مكان للهرب من التلوث
تصف أم محمود كحيل، من حي الدرج، الرائحة بأنها مزيج من الكبريت والمواد المحترقة ومياه الصرف الصحي، مشيرة إلى شعور بعض الأطفال بالغثيان وضيق التنفس. ورغم محاولات إغلاق النوافذ، كان التأثير محدودًا. في الخيام التي تؤوي آلاف العائلات، لا يوجد حاجز حقيقي أمام الهواء الخارجي، مما يجعل أي حادث بيئي أكثر تأثيرًا على النازحين، خاصة الأطفال وكبار السن والمرضى.
غياب القدرة على جمع العينات وإجراء التحاليل يجعل توثيق مثل هذه الحوادث وتحديد طبيعتها مهمة صعبة. لكن المؤشرات المتراكمة تشير إلى أزمة بيئية واسعة في غزة تتداخل فيها مصادر التلوث من الأرض والهواء والمياه.
يؤكد حسني مهنا، المتحدث باسم بلدية غزة، أن الضرر الهائل الذي لحق بالبنية التحتية خلال الحرب حوّل أزمة الصرف الصحي والنفايات إلى تهديدات بيئية وصحية بارزة. فقد دُمر نحو 220 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي في مدينة غزة، وتضررت أو دُمرت ثماني محطات ضخ. تواجه المحطات العاملة نقصًا مستمرًا في الكهرباء والوقود والزيوت وقطع الغيار، مما يمنع تشغيل وصيانة المضخات بشكل مستمر لمنع طفح المياه العادمة.
مع تضرر الشبكات، تنتشر المياه العادمة في مناطق سكنية وعلى مقربة من أماكن النزوح، مما يؤدي إلى انتشار الروائح والغازات الناتجة عن تحلل المواد العضوية، ويهيئ بيئة مناسبة للحشرات والقوارض. وتتداخل أزمة الصرف مع ملف النفايات، حيث اضطرت البلدية إلى الاعتماد على مواقع مؤقتة أقرب إلى التجمعات السكانية، مما أدى إلى تراكم كميات هائلة من النفايات.
61 مليون طن من الركام
يُعد الركام أحد أكبر مصادر الخطر البيئي، حيث خلف الدمار الواسع نحو 61 مليون طن من الركام. يحتوي هذا الركام على خليط معقد من الأسمنت، الدهانات، البلاستيك، الأسلاك، المعادن، المواد العازلة، مخلفات الأثاث، والمواد الكيميائية، بالإضافة إلى مخلفات الحرائق والانفجارات. قد يكون جزء من هذا الركام معرضًا لمخاطر تلوث بمواد مثل الأسبستوس والمعادن الثقيلة. وعندما تجف هذه المواد وتتعرض للرياح، يمكن أن تتحول أجزاء دقيقة منها إلى غبار ينتقل في الهواء.
يشير د. محمد الغلاييني، عالم جودة الهواء الفلسطيني، إلى أن الأثر البيئي للقصف لا يقل خطورة عن الضرر المرئي. انهيار المباني يحول مواد البناء إلى جسيمات دقيقة تعلق في الجو، مما يزيد تعرض السكان للغبار والمهيجات التنفسية. تتداخل مع هذه الجسيمات مواد البناء، الدهانات، وبقايا الاحتراق والانفجارات، لتنتج خليطًا يصعب تقييم أثره في غياب نظام مراقبة جودة الهواء.
تتفاقم المشكلة في مناطق النزوح المكتظة، حيث يتعرض السكان للغبار باستمرار. ويشير الغلاييني إلى شيوع الأعراض التنفسية خلال فترات القصف.
تدهور بيئي وصحي
ينتج عن غزة يوميًا مصدر آخر للتلوث بسبب تعطل منظومة جمع النفايات وانتشار أكثر من 140 موقعًا عشوائيًا للتخلص من النفايات بالقرب من التجمعات السكانية، في وقت ينتج فيه القطاع نحو 1400 طن من النفايات يوميًا.
يحذر د. أيمن أبو رحمة، مدير دائرة الطب الوقائي في وزارة الصحة بغزة، من أن تدهور البيئة لم يعد مشكلة منفصلة عن واقع الأمراض المسجلة. وصلت البيئة الصحية في القطاع إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور، في ظل تراكم النفايات وتعطل الصرف الصحي والاكتظاظ وضعف مقومات النظافة والوقاية.
كشف أبو رحمة أن الأمراض الجلدية والأمراض المنقولة عبر المياه تشكل نحو 48% من مجمل الأمراض المسجلة، منها قرابة 25% أمراض مرتبطة بالمياه، ونحو 23% أمراض جلدية. يؤكد أن تراكم النفايات وتدمير شبكات الصرف الصحي وانتشار المياه العادمة يخلق بيئة مثالية لانتقال الأمراض، خصوصًا بين سكان الخيام والمناطق المكتظة. تزداد خطورة أي تعرض مجهول عندما لا يكون تركيب المادة معروفًا، مما يجعل التحليل البيئي والمخبري ضرورة أساسية.
سياسة
صحة
سياسة
صحة