الأونروا في مرمى النيران: كيف تتصدى لمحاولات تدمير دورها بين التمويل والحظر؟


هذا الخبر بعنوان "من التمويل إلى الحظر.. كيف تواجه الأونروا محاولات تقويض دورها؟" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تواجه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» ضغوطًا متزايدة تهدف إلى تقويض دورها المحوري، وذلك من خلال القيود الإسرائيلية، وأزمة التمويل المستمرة، واستهداف منشآتها وموظفيها. هذه التحديات لا تقتصر على تعطيل الخدمات الإنسانية التي تقدمها الوكالة، بل تمتد لتشمل جوهر قضية اللاجئين وحق العودة، في ظل مساعٍ واضحة لتغيير الواقع القائم.
تأسست الأونروا بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 عام 1949 بهدف تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين، إلا أن دورها تطور ليصبح شاهدًا على قضيتهم السياسية. تعاني الوكالة من أزمة مالية مزمنة نتيجة اعتمادها على التبرعات الطوعية، حيث بلغت التعهدات المالية لعام 2025 حوالي 878 مليون دولار، بينما لم تتسلم فعليًا سوى 839 مليون دولار. يخشى أن تُستغل هذه الأزمة المالية وإجراءات «الإصلاح الإداري» لتقليص تفويض الوكالة وتحويل اللاجئ من صاحب حقوق إلى مجرد متلقٍ للمساعدة الإنسانية.
في يناير 2026، تعرضت منشآت الأونروا في القدس الشرقية لإجراءات إسرائيلية، شملت اقتحام مقرها في حي الشيخ جراح وهدم مبانٍ بداخله. كما فرضت قوانين الكنيست الإسرائيلي، التي أُقرت في أكتوبر 2024 ودخلت حيز التنفيذ في يناير 2025، قيودًا على عمل الوكالة وعلاقاتها بالسلطات الإسرائيلية.
منذ صدور القرار 302 في ديسمبر 1949، شكلت الأونروا إطارًا أمميًا للتعامل مع قضية اللجوء الفلسطيني، التي انبثقت عن نكبة عام 1948. وعلى الرغم من أن الوكالة أُنشئت لتقديم الخدمات الأساسية، فإن دورها تجاوز الإغاثة والتعليم والصحة ليصبح مرتبطًا باستمرار حضور قضية اللاجئين في المنظومة الدولية. على مدار أكثر من سبعة عقود، حافظت الأونروا على سجلات ملايين اللاجئين الفلسطينيين وقدمت خدماتها في غزة، والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، والأردن، ولبنان، وسوريا. وبذلك، لم تكن مجرد مؤسسة إغاثية، بل ظلت شاهدًا على قضية سياسية لم تُحل وحقوق لا تسقط بالتقادم.
لا يمكن قراءة الإجراءات التي تستهدف الوكالة بمعزل عن طبيعة تفويضها ومكانة قضية اللاجئين في النظام الدولي. تكمن الخطورة في تحويل اللاجئ الفلسطيني من صاحب قضية وحقوق تاريخية وسياسية إلى فرد يحتاج إلى مساعدة إنسانية مؤقتة يمكن تقليصها أو وقفها. وتكتسب المصطلحات المستخدمة لوصف الأزمة أهمية خاصة؛ فعبارات مثل «الإصلاح الإداري» و«ترشيد النفقات» قد تُستخدم لتبرير خطوات تضعف الوكالة. لذلك، ينبغي التمييز بين تطوير الأداء وتحسين الكفاءة من جهة، وبين استخدام الإصلاح كمدخل لتغيير التفويض الأممي أو إفراغه من مضمونه من جهة أخرى.
تواجه الأونروا أزمة مالية متواصلة بسبب اعتمادها على التبرعات الطوعية. يكشف الفارق بين التعهدات المالية الفعلية عن تحديات تواجه المؤسسة، ويطرح سؤالًا حول ملاءمة نظام التمويل الطوعي لمؤسسة تنفذ تفويضًا أمميًا مرتبطًا بقضية مستمرة. عدم انتظام التمويل يؤثر على استمرارية الخدمات وقدرة الوكالة على التخطيط وتلبية احتياجات اللاجئين. لا تقتصر نتائج التقليص على الميزانية، بل تمتد إلى المدارس والمراكز الصحية وبرامج الإغاثة.
الدفاع عن الأونروا لا يعني إعفاءها من الرقابة أو التطوير، بل يقتضي ضمان أن تتم الإصلاحات بما يحافظ على قدرتها على تنفيذ ولايتها، لا أن تتحول الأزمة المالية إلى وسيلة للضغط السياسي. المشكلة ليست في مراجعة النفقات، بل في احتمال استخدام العجز المالي لتبرير تقليص دور الوكالة.
تبرز القدس الشرقية كساحة للصراع على وجود الأونروا. في يناير 2026، طالت إجراءات إسرائيلية منشآتها، بما في ذلك اقتحام مقرها في الشيخ جراح وهدم مبانٍ. تثير هذه التطورات تساؤلات حول قدرة المؤسسة الأممية على مواصلة عملها في مدينة محتلة، في ظل القيود المتزايدة. هذه الإجراءات تعرقل عمل الوكالة وتثير مسائل تتعلق بالتزامات الدول تجاه الأمم المتحدة ومؤسساتها.
تتصل هذه التطورات بقوانين الكنيست الإسرائيلي التي أُقرت في أكتوبر 2024 ودخلت حيز التنفيذ في يناير 2025، والتي استهدفت عمل الأونروا وفرضت قيودًا على نشاطها. انعكست هذه الإجراءات بصورة خاصة على عمل الوكالة في القدس الشرقية، حيث تواجه قيودًا قانونية وميدانية متزايدة.
تكتسب هذه الإجراءات دلالة أوسع بالنظر إلى الدور الذي تؤديه الأونروا في الحفاظ على حضور قضية اللاجئين داخل المؤسسات الدولية. إضعاف قدرتها على العمل لا يعني فقط تراجع الخدمات، بل قد يحد من حضور إحدى المرجعيات الأممية المرتبطة بقضيتهم منذ عام 1949. من الضروري التمييز بين استمرار الوكالة واستمرار الحقوق الفلسطينية؛ فحق العودة يستند إلى مرجعيات قانونية وسياسية مستقلة، كقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. لكن تقويض الوكالة يضعف أحد الأطر الدولية التي أبقت قضية اللاجئين حاضرة في النقاش السياسي والقانوني.
تتزايد أهمية هذه المسألة في ظل الطروحات المتعلقة بإعادة هيكلة العمل الإنساني في غزة أو نقل بعض مهام الأونروا. لا تمنح المؤسسات البديلة تلقائيًا التفويض الأممي نفسه، ولا تبرر تغيير المرجعية التي أُنشئت الوكالة بموجبها. أكد رئيس دائرة شؤون اللاجئين أحمد أبو هولي أن مجلس السلام لا يملك تفويضًا لتغيير ولاية الأونروا، وأن الاختصاص يعود للجمعية العامة للأمم المتحدة.
لا تنفصل هذه الإشكالية عن المخاطر التي تواجه العاملين في المجال الإنساني. أشارت تقارير الأونروا إلى مقتل نحو 390 من موظفيها منذ اندلاع الحرب على غزة. يضع ذلك المجتمع الدولي أمام مسؤولية حماية العاملين والمنشآت الإنسانية. البيانات السياسية التي تؤكد ضرورة حماية الوكالة لا تكفي ما لم تقترن بإجراءات عملية تضمن استمرار التمويل وتحمي موظفيها.
جددت منظمة التعاون الإسلامي تأكيدها على أهمية الحفاظ على ولاية الأونروا ورفض محاولات المساس بمكانتها. التحدي يكمن في تحويل هذه المواقف إلى خطوات ملموسة تحد من الضغوط التي تتعرض لها الوكالة.
جوهر الأزمة يتعلق بالإطار الذي تُقدَّم الخدمات ضمنه، وما إذا كان اللاجئ سيظل معترفًا به ضمن قضية سياسية وحقوقية، أم سيُختزل في مستفيد من برامج إنسانية مؤقتة. المساعدات لا تعوض عن الحل السياسي ولا تحل محل الحقوق المرتبطة باللجوء والعودة. تبرز مسؤولية الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية في حماية الأونروا وضمان تمويل مستدام لها، والتصدي للإجراءات التي تعرقل عملها، مع مواصلة المطالبة بحل عادل لقضية اللاجئين. لا يتعارض ذلك مع ضرورة تطوير الأداء المؤسسي، بل يقتضي الفصل بين الإصلاح الذي يعزز قدرة الوكالة، والإجراءات التي قد تضعف تفويضها.
الأونروا ليست بديلاً عن الوطن أو العودة، لكنها تظل شاهدًا أمميًا على أن قضية اللاجئين الفلسطينيين لم تنتهِ. حماية الوكالة تتصل بالحفاظ على حضور القضية في المنظومة الدولية، ومنع اختزالها في احتياجات إنسانية منفصلة عن جذورها التاريخية والسياسية.
مستقبل الأونروا لا يمكن فصله عن مستقبل قضية اللاجئين؛ فتراجع خدماتها يهدد حياة ملايين الفلسطينيين، وتقويض تفويضها يضعف أحد الأطر الدولية التي حافظت على حضور قضيتهم. يبقى التحدي في ضمان ألا تتحول الأزمة المالية أو الإجراءات الإسرائيلية إلى مدخل لتهميش الحقوق الفلسطينية أو إقصائها من أي تسوية مستقبلية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة