جذور الصهيونية الدينية: أفكار الخلاص، الهجرة، ودور الحاخامات في التأسيس


هذا الخبر بعنوان "ما هي الصهيونية الدينية؟.. عودة إلى الجذور" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
نجحت تيارات "الصهيونية الدينية" في دولة الاحتلال الإسرائيلي في تحقيق تقدم كبير داخل الحياة السياسية، والسيطرة على نسبة من مقاعد "الكنيست"، والدخول في عدة حكومات متعاقبة. وفي الائتلاف الحكومي الحالي الموجه لحرب الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والاستيطان ضد الفلسطينيين، تسيطر أحزاب من هذا التيار على مناصب استراتيجية مرتبطة بالاقتصاد والجيش والأجهزة الأمنية.
يظهر من متابعة التطورات السياسية والاجتماعية في مجتمع المستوطنين خلال العقود الماضية، صعود التيارات الدينية الطامحة إلى السيطرة على السلطة لتحقيق برنامجها الممزوج بأفكار توراتية تزعم حقاً لليهود في كامل فلسطين من البحر إلى النهر، ثم إلى أراضي دول عربية مجاورة، وتدعو إلى تهجير الفلسطينيين وقتلهم. هذا إلى جانب برنامج الحركة الصهيونية الذي إن كانت بدايته علمانية مع شخصيات مثل هرتزل، إلا أنها لم تولد فجأة مع نهاية القرن التاسع عشر، بل عرفت بذوراً متفرقة مع حاخامات وشخصيات مختلفة في أزمان سابقة، عجلت بإنضاجها التحولات في أوروبا تجاه الدولة القومية.
تسعى هذه السلسلة إلى تقديم تعريف تاريخي بننشوء التيار الصهيوني الديني داخل الحركة الصهيونية، والأفكار والأيديولوجيات العامل من خلالها، والاختلافات داخل التيار نفسه، وأسباب صعوده، ورؤيته للتيارات العلمانية، وطموحاته للحكم، وأفكاره حول الصراع ضد الفلسطينيين والعرب. وستخصص المقالة الأولى للبحث في البذور والتأسيسات الأولى قبل ولادة التيار داخل الحركة الصهيونية.
اختلفت تيارات داخل المجتمعات الدينية اليهودية المنتشرة في أوروبا خاصة، حيث مهد الحركة الصهيونية الفعلي، مع التيار العلماني حول فكرة إقامة دولة من أساس ديني. كان جزء من الحاخامات يرفض الإقدام على خطوة إقامة كيان سياسي، وترى أن تحقيق ما يسمى "الخلاص" لا جهود للبشر فيه بل متحقق بالإرادة الإلهية، لذلك فإن جهود الحركة الصهيونية المسيطر عليها من العلمانيين مدنسة.
مثلت أفكار "الإصلاح" و"التنوير" في الفضاء الأوروبي، خاصة في القرن التاسع عشر، تحدياً أمام الجماعات اليهودية، خاصة مع أفكارها المستمدة من تراث ديني وحاخامي طويل يقدم لها الأمة اليهودية على أنها مجموعة "مختارة من الرب". وانقسمت الجماعات اليهودية أمام هذه التطورات في أوروبا، خاصة فيما يرتبط بفكرة "الخلاص" و"المخلص" إلى تيارات؛ بعضها إصلاحي ذهب جزء منها في تطرفه إلى أن يرى في المساواة ودمج اليهود في مجتمعاتهم تحقيقاً لفكرة "الخلاص"، بينما فضل المعتدلون من الإصلاحيين عدم رفض "الفكرة المسيحانية" صراحة.
مع صعود الأفكار القومية، نما داخل المجتمعات اليهودية تيارات دمجت بين الأفكار الصهيونية والتوراتية، ورأت بعضها بالاستناد إلى مصادر هامة في الديانة اليهودية، مثل الزوهار مصدر ما تسمى "الكابالاه" أو التصوف اليهودي، أن تعجيل ما يسمى "الخلاص" أي قدوم "المشيح المخلص" المعول عليه في إقامة دولة اليهود وإعادة بناء "الهيكل" قد يكون عن طريق تدخل بشري.
في العودة إلى جزء من بدايات التيارات الصهيونية الدينية، تستلزم المرحلة البحث في أفكار الحاخام إيليا بن سليمان زلمان المعروف في الأدبيات اليهودية بـ"جاؤون فيلنا". وتشير الدراسات إلى صعود في الأفكار "المسيحانية" بين الجماعات اليهودية في فترات من القرن التاسع عشر مرتبطة بنبوءات مستمدة من التلمود و"الزوهار". تدعي جزء من أدبيات الصهيونية الدينية أن التبشير بفكرة إقامة دولة يهودية في فلسطين بدأ قبل التيارات العلمانية مع عدد من الحاخامات، بينهم "جاؤون فيلنا"، وهو من أبرز أعمدة الفكر الحاخامي والشريعة اليهودية "الهالاخا" في الفترة بين 1720 - 1797، حيث عاش في مدينة فيلنا الواقعة في ليتوانيا حالياً.
امتلك "الغاؤون" معرفة واسعة بالتوراة، وتروي المصادر التاريخية أنه قرر حين اقترب من عامه الستين الهجرة إلى فلسطين، وتزعم أن ما تسميه الأدبيات التوراتية "أرض إسرائيل" أخذت "مكانة مركزية" في أفكاره. وبعد 10 سنوات من وفاته، بدأ تلاميذ "الغاؤون" تنظيم هجرات إلى فلسطين، وقاد المجموعة الأولى منهم الحاخام مندل بن باروخ، وتوجهوا نحو طبريا قبل أن ينتقلوا منها إلى صفد.
ومثّل الحاخام تسفي هيرش كاليشر، المتوفي في 1874، نقلة مهمة في تاريخ تحويل هذه الأفكار إلى الاقتراب من الصيغة الصهيونية العملية الممزوجة مع المعتقدات الدينية، وبدأ منذ 1836 في جمع تبرعات من أجل شراء أراضي في فلسطين وإقامة مستوطنات عليها، انطلاقاً من معتقدات مزعومة حول أن الاستيطان قد يكون بداية "الخلاص"، وكان شريكه في هذه المساعي هو الحاخام إلياهو غوتمخر.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة