فلسطين
سياسة

الموقف الآيسلندي من غزة: دعوة لعودة القانون الدولي إلى الواجهة السياسية

الرسالة١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٣:٢٥ م0 مشاهدة
الموقف الآيسلندي من غزة: دعوة لعودة القانون الدولي إلى الواجهة السياسية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مقال: الموقف الآيسلندي وفلسطين واستعادة القانون الدولي لمرجعيته - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يعد الموقف الآيسلندي تجاه الحرب على غزة مجرد تصريح دبلوماسي عابر، بل أصبح مؤشراً هاماً على عودة القانون الدولي إلى صدارة النقاش السياسي بعد سنوات من هيمنة حسابات القوة والمصالح الجيوسياسية. فالتصريحات التي أدلت بها وزيرة الخارجية الآيسلندية، كاترين غونارسدوتير، أمام الأمم المتحدة، والتي دعت فيها إلى التفاوض وتحقيق السلام العادل ورفض انتهاك القانون الدولي وضمان وصول المساعدات الإنسانية، تضع المجتمع الدولي أمام معادلة تتجاوز الخطاب السياسي لتلامس جوهر النظام الدولي القائم على قواعد القانون.

المغزى الأعمق في هذا الموقف هو أن آيسلندا لم تتعامل مع مأساة غزة كأزمة إنسانية معزولة، بل ربطت بين حماية المدنيين وإيصال المساعدات وبين ضرورة معالجة جذور الصراع وحقوق الشعب الفلسطيني. هذه المقاربة تكتسب أهمية خاصة، إذ أن اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الإغاثي قد يحول المساعدات من حق إنساني إلى أداة لإدارة الأزمة، بينما يبقى أصل المشكلة قائماً. فالقانون الدولي الإنساني ينظم حماية المدنيين أثناء النزاعات، ولا يلغي في الوقت نفسه القواعد القانونية المتعلقة بالاحتلال وتقرير المصير وحقوق الشعوب.

تصريحات غونارسدوتير تُعد تذكيراً بأن السلام المستدام يتطلب مرجعية سياسية وقانونية تعالج مسألة الحقوق وتضع حداً لتغيير الوقائع على الأرض بالقوة. الحديث عن التفاوض لا ينبغي أن يصبح غطاءً زمنياً مفتوحاً يسمح باستمرار الاستيطان أو التهجير أو فرض وقائع جديدة، بينما تبقى التسوية السياسية في حالة انتظار دائم.

تزداد أهمية الموقف الآيسلندي عند وضعه في سياق العلاقة التاريخية بين ريكيافيك والقضية الفلسطينية. فآيسلندا اعترفت بدولة فلسطين عام 2011، وأكدت دعمها لحل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. كما أعلنت في عام 2026 تدخلها في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، وهي خطوة تعكس انخراطاً في مسار قضائي دولي يتجاوز حدود التضامن السياسي.

القضية الفلسطينية لم تعد مجرد موضوع خلاف سياسي، بل أصبحت جزءاً من النقاش الدولي حول مدى احترام قواعد القانون الدولي وفعالية المؤسسات متعددة الأطراف. عندما تصبح مسائل الاحتلال والاستيطان والتهجير وحماية المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية محل نقاش أمام المؤسسات الدولية، فإنها تنتقل من دائرة الخطاب السياسي إلى فضاء المسؤولية القانونية والالتزامات الدولية.

حديث الوزيرة الآيسلندية عن الضفة الغربية والاستيطان وعنف المستوطنين يلفت الانتباه إلى تعقيد مسألة تغيير الحقائق على الأرض. فالمفاوضات التي تجري في ظل استمرار التوسع الاستيطاني تواجه معضلة بنيوية، حيث يتغير الواقع الميداني بصورة أسرع من قدرة العملية السياسية على إنتاج حل عادل. أي حديث جدي عن حل الدولتين لا يمكن فصله عن مسألة الحفاظ على الأساس الجغرافي والسياسي الذي يفترض أن تقوم عليه هذه التسوية.

تُعد المساعدات الإنسانية اختباراً حقيقياً لصدقية النظام الدولي. فالمساعدات ليست امتيازاً سياسياً، بل ترتبط بمبادئ الحماية الإنسانية وواجبات ينظمها القانون الدولي الإنساني. عندما يصبح وصول الغذاء والماء والدواء والمأوى رهناً بالتجاذبات السياسية، فإن المسألة تتصل بكرامة الإنسان وقدرة المجتمع الدولي على حماية الفئات الأكثر هشاشة.

عبارة غونارسدوتير حول أولئك الذين يرفضون التفاوض أو يمنعون وصول المساعدات أو يستخفون بالقانون الدولي، تطرح سؤالاً حول معنى الشرعية الدولية. النظام الدولي لا يستطيع أن يطالب الدول باحترام قواعده في ملف ويسمح بتعطيلها في ملف آخر دون أن تتآكل الثقة في مؤسساته. هذه الإشكالية تمس صورة النظام متعدد الأطراف وقدرته على إنتاج قواعد قابلة للتطبيق بعيداً عن ازدواجية المعايير.

قيمة الموقف الآيسلندي لا تكمن في ارتفاع نبرة الخطاب، بل في وضوح مرجعيته. الدبلوماسية تستعيد وظيفتها الأصلية عندما تتحول من إدارة الأزمات إلى البحث عن حلول تستند إلى قواعد واضحة. المطلوب من الدبلوماسية الدولية في الحالة الفلسطينية هو ترجمة المرجعية القانونية إلى سياسات عملية تحمي المدنيين وتضمن وصول المساعدات وتدفع باتجاه تسوية سياسية قابلة للحياة.

الإشارة إلى محكمة العدل الدولية والمؤسسات القضائية الدولية تفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل النظام القانوني الدولي. المحاكم الدولية لا تستطيع وحدها إنهاء الحروب، لكنها توفر إطاراً قانونياً لتثبيت المبادئ وتحديد الالتزامات وبلورة المسؤوليات. احترام أحكام القضاء الدولي لا ينبغي أن يكون مرتبطاً بموازين القوة، بل بمبدأ عام مفاده أن القانون لا يكون قانوناً إذا أصبح تطبيقه انتقائياً.

في الحالة الفلسطينية، الحاجة ملحة للانتقال من مرحلة إدارة الكارثة إلى مرحلة معالجة أسبابها. إعادة الإعمار مهمة ضرورية، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الحل السياسي أو آلية لإعادة إنتاج واقع هش. وقف إطلاق النار يمكن أن يكون مدخلاً لمسار سياسي وقانوني أوسع يعالج قضايا الاحتلال والاستيطان والحدود والقدس واللاجئين وتقرير المصير والأمن وفق مرجعيات دولية واضحة.

الموقف الآيسلندي هو صوت داخل النظام الدولي يدعو إلى إعادة الاعتبار للقاعدة القانونية في مواجهة منطق القوة. المطلوب اليوم ليس المزيد من البيانات التي تندد بالأوضاع الإنسانية، بل ترجمة المبادئ المعلنة إلى خطوات سياسية ودبلوماسية وقانونية تحمي المدنيين وتضمن تدفق المساعدات وتدعم المؤسسات الإنسانية وتحافظ على دور الأونروا، وتدفع نحو تسوية تقوم على الحقوق لا على إدارة الصراع.

السلام الذي يستحق اسمه لا يولد من الصمت على الظلم أو مجاملة القوة، بل من قاعدة واضحة تقول إن القانون فوق القوة، وإن كرامة الإنسان ليست ورقة تفاوضية، وإن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ينبغي أن يبقى جزءاً أصيلاً من أي تصور جاد لسلام عادل ودائم.

شارك الخبر: