فلسطين
سياسة

رام الله.. وهم السيادة المؤقتة وسقوط جزيرة الرفاهية أمام واقع الاحتلال

فلسطين أون لاين٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٤٧ ص0 مشاهدة
رام الله.. وهم السيادة المؤقتة وسقوط جزيرة الرفاهية أمام واقع الاحتلال

تنويه

هذا الخبر بعنوان "رام الله.. آخر جزر الوهم | فلسطين أون لاين" نشر أولاً على موقع فلسطين أون لاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لفتة طويلة صنعت فيها رام الله لنفسها عالماً يبدو للبعض أنه منفصل عن محيطه، مدينة تعج بالوزارات والسفارات والمطاعم والمقاهي التي تمتد فيها السهرات حتى الفجر، طبقة سياسية وأخرى اقتصادية بنت لنفسها نمط حياة يشبه العواصم الكبرى، رغم أن الدولة نفسها لم تكن سوى حبر على ورق. وكان حي الطيرة عاصمة هذا الوهم المطلق، هناك، حيث تمتد الفلل خلف الأسوار، وتعبر شوارعها الواسعة أحدث المركبات وأكثرها رفاهية، إنها تحف ميكانيكية باذخة، وهناك حيث تباع الأراضي والعقارات بأسعار تنافس باريس ولندن ومانهاتن، كان يمكن أن تجلس تحتسي قهوتك متخبطًا في غيبوبة من الرفاهية.

عاش بعض سكانها وكأنهم في جزيرة من الرفاهية معزولة داخل جغرافيا محتلة، أو كأن الاحتلال ينتهي عند حدودها، وكأن الحواجز والاقتحامات ومصادرة الأراضي والاستيطان أشياء تحدث في مكان آخر. لم يكن الأمر مجرد رفاهية مادية، كان هناك وهم سياسي واجتماعي كامل تشكل مع الوقت؛ وزارات، مؤسسات، سيارات رسمية، مواكب، مؤتمرات، فنادق، بعثات دبلوماسية، ومظاهر مدينة تتصرف كما لو أنها عاصمة دولة.

لكن الوهم قلما يستمر أبدًا، وسرعان ما خبا بريق تلك الجياد الحديدية الفارهة، لم تبدأ النهاية بدبابة تجتاح شوارع رام الله، بل بدأت بما هو أبسط بكثير؛ حاجز طيّار، مكعبات إسمنتية، ثم بوابات ملونة. حاجز عند جسر عطارة، وآخر قرب عين سينيا، وآخر عند مدخل البيرة الشمالي، ورابع في الشرق وخامس في الغرب، قلنديا، جبع، عين يبرود، الطيبة، نعلين، بيت سيرا، روابي، الجيب، بيت عور، دير إبزيع، والقائمة تطول، وطوابير سيارات تحاصر مداخل العاصمة المؤقتة.

ثم جاءت الطامة الأكبر لترطم وجوه الجميع بالواقع، الاحتلال لم يعد يكتفي بالوقوف على الأبواب؛ لقد اقتحم غرف المعيشة. أعلام إسرائيلية ترفع في الشوارع، ومستوطنون يتجولون في الحدائق العامة، ومراسلون عسكريون يلتقطون الصور ليلًا لمعالم حي الطيرة، وصولًا إلى دوار نلسون مانديلا، ويتجولون في أطرافه. ويا للمفارقة المريرة، تجد فلسطينيًا يحتسي قهوته ببرود داخل مقهى، وضابطًا بجيش الاحتلال يقف في الشارع المقابل يوثق المكان، أو آخر مستعربًا يجلس على الطاولة المجاورة دون أن يدرك.

وحين أوقف عناصر من الشرطة الفلسطينية مستعمرًا مسلحًا تجرأ على دخول أحد أحياء رام الله، وبعد أن أعادته سالمًا من حيث جاء، تحولت الشرطة نفسها إلى متهمة، قبل أن يتم اعتقال بعض أفرادها، ويجري البحث عن آخرين، في مفارقة تختصر حجم هذه السيادة المتوهمة، شرطة تلاحق مسلحًا داخل مدينة يفترض أنها تقع ضمن نطاق سلطتها، ثم تجد نفسها مطالبة بتفسير كيف تجرأت على ممارسة هذه السلطة.

سنوات من البهرجة والمواكب خلقت شعورًا كاذبًا بأن المال والمكانة الاجتماعية هما درع واقٍ من الجغرافيا، لكن الاحتلال لا يقرأ البطاقات البنكية، ولا يسأل عن الرصيد البنكي إلا ليصادره. رام الله لم تكن المشكلة، بالطبع، المشكلة كانت في الوهم الذي جعلها تبدو كأنها استثناء، وعندها فقط استيقظت رام الله ومعها الطيرة من غفوتها، لتكتشف أن كل ما راكمته من مظاهر السيادة لم يكن سوى مهلة مؤجلة، وأنها لم تكن بعيدة عن البحر، ولم تكن يومًا جزيرة مستقلة.

شارك الخبر: