اقتصاد الحرب الدائمة الخفيفة: كيف يتعلم العالم التعايش مع الأزمات المستمرة؟


هذا الخبر بعنوان "اقتصاد الحرب الدائمة الخفيفة.. عندما يتعلم العالم العيش مع الأزمات | فلسطين أون لاين" نشر أولاً على موقع فلسطين أون لاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يعد العالم ينتقل بوضوح من حالة سلام كاملة إلى حرب شاملة ثم يعود إلى السلام، بل أصبحنا أمام نمط مختلف يمكن وصفه اقتصاديًا بـ"الحرب الدائمة الخفيفة". يتميز هذا النمط بتوترات متواصلة، مواجهات محدودة، عقوبات اقتصادية، تهديدات للممرات التجارية، حروب بالوكالة، وهجمات متقطعة، دون أن تتحول بالضرورة إلى حرب عالمية شاملة. والأهم من استمرار هذه الحالة هو أن الاقتصاد العالمي بدأ يتعلم كيفية التعايش معها.
في السابق، كان اندلاع مواجهة عسكرية كبيرة كفيلًا بإحداث صدمة واسعة في أسواق الأسهم والطاقة والعملات. أما اليوم، فأصبحت الأسواق أكثر قدرة على التمييز بين حدث محلي محدود وحدث قادر على تعطيل الاقتصاد العالمي. وقد نرى ارتفاع النفط أو الذهب وانخفاض الأسهم عند بداية أزمة، ثم تبدأ الأسواق بعد أيام أو أسابيع في البحث عن واقع اقتصادي جديد والتكيف معه. وهنا يظهر ما يمكن تسميته "اقتصاد التأقلم".
تكيفت الشركات مع هذا الواقع الجديد؛ فلم تعد تنتظر عالمًا خاليًا من المخاطر، بل أصبحت تنوع الموردين، وتحتفظ بمخزونات أكبر، وتغير طرق الشحن وتشتري التأمين ضد المخاطر. وعلى الصعيد الحكومي، زادت الإنفاق الدفاعي، وعُزز أمن الطاقة والغذاء، وحُمت سلاسل الإمداد والقطاعات الإستراتيجية.
حتى المواطن أصبح جزءًا من هذه المعادلة. فارتفاع الأسعار، وتذبذب الوقود، وتغير أسعار الفائدة والعملات أصبحت بالنسبة إلى ملايين الأسر ظروفًا يجب إدارتها ضمن الميزانية اليومية، وليس مجرد أزمة مؤقتة ستنتهي سريعًا. ومن هنا نشأ أيضًا اقتصاد كامل يستفيد من عالم القلق، مثل الصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، والطائرات المسيّرة، وتقنيات المراقبة، والطاقة البديلة، والتخزين والخدمات اللوجستية وإدارة المخاطر.
في المقابل، تتحمل قطاعات أخرى الثمن، خصوصًا السياحة والنقل والاستثمار طويل الأجل في المناطق غير المستقرة. لكن الاعتياد على الحرب لا يعني أن الحرب أصبحت رخيصة. فكل توتر جديد يضيف تكلفة إلى الشحن والتأمين والطاقة والموازنات الحكومية، بينما تذهب مليارات الدولارات إلى الدفاع بدلًا من التعليم والصحة والبنية التحتية والتنمية. وتتحمل الدول الفقيرة والهشة غالبًا العبء الأكبر لأنها تمتلك قدرة أقل على امتصاص ارتفاع الأسعار والصدمات الخارجية.
تكمن المفارقة الاقتصادية الجديدة في أن العالم لا يحتاج إلى انتهاء كل أزمة حتى يستمر في العمل؛ فقد تعلم كيف ينتج ويتاجر ويستثمر تحت مستوى مستمر من القلق. ربما أصبح السؤال الاقتصادي اليوم ليس: متى تنتهي الأزمات؟ بل: هل نحن أمام اقتصاد عالمي جديد يعد التوتر حالة طبيعية، والسلام الكامل استثناءً؟ فالإنسان قادر على التأقلم، والشركات قادرة على تعديل خططها، والأسواق قادرة على امتصاص كثير من الصدمات، لكن تكلفة "الحرب الدائمة الخفيفة" تظل تتراكم بصمت، حتى عندما نتوقف عن الشعور بها.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد