من خمس تنكات إلى عجز عن لتر واحد: الإبادة تغيب الزيت والزيتون عن موائد غزة


هذا الخبر بعنوان "تقرير من خمس "تنكات" إلى العجز عن شراء لتر واحد.. الإبادة تغيّب الزيت والزيتون عن بيوت غزة | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتذكر أم مازن صبيح (70 عامًا) كيف كانت عائلتها تستعد لموسم زيتون وفير في أراضيها شرق مدينة غزة مع بدء حرب الإبادة «الإسرائيلية» في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. لكن الحرب، منذ أيامها الأولى، حرمتهم من الوصول إلى أراضيهم، قبل أن تصبح الأراضي والبيوت التي تملكها العائلة داخل نطاق ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، وتغدو العودة إليها وجني محصولها أمرًا بعيد المنال.
بعد مرور أربعة مواسم دون أن تتمكن العائلة من جني زيتونها، لم يعد الغياب مقتصرًا على المحصول المنتظر سنويًا. فقد خسرت أم مازن منزلها وأرضها ومصدر رزقها، واضطرت إلى النزوح والعيش في خيمة، لتجد نفسها أمام معاناة يومية لتأمين لقمة العيش، بعدما كانت الأرض توفر جانبًا من احتياجات عائلتها ومصدر دخلها السنوي.
وتقول أم مازن إن عائلتها كانت تحتاج إلى خمس تنكات من زيت الزيتون البلدي، إلى جانب أربعين رطلًا من الزيتون الأخضر، لتأمين احتياجاتها. أما اليوم، فلم تعد قادرة على شراء لتر واحد من زيت الزيتون، بعدما فقدت ما كانت تملكه، وأصبحت تعيش على ما تستطيع توفيره في ظل النزوح وضيق الحال. وتشير إلى أن الزيت والزيتون لم يعودا متاحين كما كانا قبل الحرب، وأن غيابهما طال بيوت الغزيين، ولا سيما عائلات المزارعين الذين تتركز أراضيهم في المناطق الشرقية من مدينة غزة، حيث كانت البساتين مصدرًا للمحصول والدخل معًا. فالعائلات التي كانت تعتمد على أرضها في توفير مؤونة العام، باتت اليوم تواجه صعوبة في الوصول إلى أراضيها أو شراء ما تنتجه، بعد أن فقدت مصادر رزقها وتراجعت قدرتها الشرائية.
ولم يكن موسم الزيتون، بحسب ما تستعيده أم مازن من حياة عائلتها قبل الحرب، موسمًا لجمع الثمار وتأمين الطعام فحسب، بل كان مصدر دخل سنويًا مهمًا للعائلات التي تملك الأراضي وتبيع جزءًا من محصولها. وتوضح أن تنكة الزيت الواحدة كانت تُباع بنحو 120 دينارًا أردنيًا، وهو مبلغ جيد في ذلك الوقت، يساعد الأسر على تلبية احتياجاتها والإنفاق على شؤونها طوال العام. لكن هذه الدورة المعيشية انقطعت مع الحرب؛ فالأرض التي كانت تنتج المحصول لم تعد متاحة للعائلة، والدخل الذي كانت تجنيه من الموسم اختفى، فيما بات شراء الزيت نفسه خارج قدرتها. ولم تعد أم مازن تواجه خسارة موسم واحد، بل خسارة مورد اعتادت الأسرة الاعتماد عليه، بالتزامن مع فقدان المنزل والنزوح إلى خيمة.
وبحسب بلدية غزة، تتركز مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وبساتين الزيتون في شرق مدينة غزة، وهي مناطق تضررت بشدة خلال الحرب، وأصبح الوصول إليها متعذرًا بفعل وجود قوات الاحتلال الإسرائيلي والقيود المرتبطة بما يُعرف بـ«الخط الأصفر».
لا بيوت ولا أراضٍ
وتُظهر بيانات خبير سلاسل القيمة والأمن الغذائي، المهندس محمد أبو عودة، أن المساحة المزروعة بالزيتون في قطاع غزة تقلصت من نحو 50 ألف دونم قبل الحرب إلى قرابة 5 آلاف دونم في عام 2026، فيما تراجع عدد الأشجار من نحو مليوني شجرة إلى 150 ألفًا. كما انخفض إنتاج ثمار الزيتون من نحو 40 ألف طن سنويًا إلى قرابة 5 آلاف طن، وهبط إنتاج زيت الزيتون من نحو 5 آلاف طن إلى 700 طن، وفق بيانات أبي عودة.
ويعكس هذا التراجع حجم الخسارة التي أصابت محصولًا كان يوفر احتياجات الأسر ويدعم دخل المزارعين والعاملين في قطاعات العصر والتخليل والتجارة. وانعكس انخفاض الإنتاج على الأسعار في الأسواق؛ إذ ارتفع متوسط سعر كيلوغرام الزيتون من نحو 5 شواكل قبل الحرب إلى 20 شيكلًا، بينما يتراوح سعر لتر زيت الزيتون البلدي بين 50 و55 شيكلًا، مقابل نحو 20 شيكلًا للتر المستورد.
وامتدت الخسائر إلى المعاصر ومصانع التخليل والعاملين في القطاع. فبحسب أبي عودة، تراجع عدد معاصر الزيتون من نحو 40 معصرة إلى 7، وانخفض عدد مصانع التخليل من 14 إلى 3، كما تقلص عدد المزارعين المرتبطين بالقطاع من نحو 20 ألفًا إلى ألف مزارع، والعاملين فيه من نحو 3 آلاف إلى قرابة 200 عامل.
ويواجه المزارعون، إلى جانب تضرر الأراضي وتعذر الوصول إلى بعضها، نقصًا في المياه والأسمدة والمستلزمات الزراعية، وارتفاعًا في تكاليف النقل والعصر.
من جانبه، يقول المزارع وحيد العديني، من دير البلح وسط القطاع، إن الشجرة التي كانت تنتج نحو 100 كيلوغرام من الزيتون قبل الحرب، بات إنتاجها يتراوح بين 20 و30 كيلوغرامًا الآن، في ظل ما تعرضت له الأراضي والمحاصيل الزراعية من قنابل ومواد كيميائية محرمة دوليًا. وأوضح أن زراعة الزيتون تحتاج إلى عناية مستمرة وتسميد وري ومستلزمات بات الحصول عليها صعبًا. وأشار إلى أن نقص هذه الاحتياجات، إلى جانب تضرر الأراضي الزراعية والقيود المفروضة على الوصول إلى بعضها، انعكس بصورة مباشرة على حجم المحصول.
وقال العديني إن المزارعين في مناطق دير البلح والبريج والمغازي يواجهون صعوبة في الوصول إلى أراضٍ زراعية كانت تشكل مصدرًا رئيسيًا لإنتاج الزيتون. وأضاف أن المساحات المتاحة غرب شارع صلاح الدين لا تكفي، وفق تقديره، لتلبية احتياجات السكان من الزيت والزيتون.
لا تكفي إلا للاستهلاك
ولفت إلى أن موسم الزيتون كان يبدأ الاستعداد له قبل نحو شهر، إذ كان المزارعون يتفقون مسبقًا مع العمال ويجهزون مستلزمات القطف والنقل، فيما كانت العائلات تخزن الزيت والزيتون لتلبية احتياجاتها طوال العام. وأضاف أن هذه الاستعدادات تراجعت مع انخفاض الإنتاج وارتفاع التكاليف، وباتت كميات الزيتون التي يجمعها بعض المزارعين لا تكفي إلا للاستهلاك العائلي، مع كميات محدودة يمكن بيعها.
وفي 13 يوليو/تموز 2026، قدّرت وزارة الزراعة في قطاع غزة خسائر القطاع الزراعي جراء الحرب بأكثر من 3 مليارات دولار، وقالت إن 158,909 دونمات من الأراضي الزراعية تضررت من أصل 182,247 دونمًا، بنسبة بلغت نحو 87%. وتنعكس هذه الخسائر على المزارعين الذين فقدوا محاصيلهم ومصادر دخلهم، وعلى العمال الذين كانوا يعتمدون على موسم القطاف والعصر والتخليل، كما تصل آثارها إلى العائلات التي لم تعد تجد في الأسواق الكميات المتاحة سابقًا أو تستطيع شراء ما تحتاج إليه منها.
طبق الزيت والزيتون والزعتر، الذي كان من أبسط ما يوضع على موائد الغزيين، بات اليوم بعيدًا عن متناول غالبية العائلات. فالإبادة لم تدمّر أشجار الزيتون وتجرف الأراضي الزراعية فحسب، بل حرمت أصحابها من محصول كانوا يخزنونه لبيوتهم ويعتمدون عليه في معيشتهم، حتى صار ما كانت تمنحه الأرض مجانًا لأصحابها طعامًا يعجزون عن شرائه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة