فلسطين
ثقافة

الإبادة المعرفية في فلسطين: معركة الذاكرة والهوية ضد المحو الاستعماري

فلسطين أون لاين١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٠ ص0 مشاهدة
الإبادة المعرفية في فلسطين: معركة الذاكرة والهوية ضد المحو الاستعماري

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الإبادة المعرفية في فلسطين.. معركة الذاكرة والهوية ومقاومة المحو الاستعماري | فلسطين أون لاين" نشر أولاً على موقع فلسطين أون لاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتجسد الإبادة المعرفية في فلسطين كمعركة شرسة للذاكرة والهوية، ومقاومة للمحو الاستعماري الذي يستهدف قطع صلة الشعب الفلسطيني بتاريخه وإضعاف قدرته على إنتاج المعرفة ورواية تجربته. ينطلق المشروع الاستعماري من إدراك عميق بأن السيطرة على الأرض لا تكتمل دون السيطرة على الذاكرة، وأن من يمتلك القدرة على صياغة الماضي وتفسيره يستطيع التأثير في وعي الحاضر وتوجيه المستقبل. يتجلى هذا في ممارسات استيطانية عديدة تشمل مصادرة الأرشيفات، ونهب المكتبات، وإتلاف الوثائق، واستهداف المؤسسات التعليمية والثقافية، وصولًا إلى تدمير كل المؤسسات التعليمية والتربوية ذات الصلة.

في الحالة الفلسطينية، تتجلى هذه السياسة في مسار طويل من الاستيلاء على الممتلكات الثقافية والوثائق التاريخية، ومحاولات طمس الذاكرة الجمعية، بالتوازي مع فرض سردية صهيونية بديلة. وبهذا المعنى، تتجاوز الإبادة المعرفية تدمير مصادر المعرفة المادية إلى استهداف قدرة المجتمع على فهم ذاته، وحفظ تجربته، ونقلها إلى الأجيال اللاحقة.

مصادرة الذاكرة وإعادة إنتاج الرواية الاستعمارية:

شكلت المكتبات والأرشيفات الفلسطينية هدفًا مبكرًا للمشروع الصهيوني، لا سيما خلال نكبة عام 1948، حيث استولت القوات الصهيونية على آلاف الكتب والمخطوطات والوثائق والمقتنيات الثقافية. تواصلت هذه الممارسات خلال احتلال عام 1967، بما شمل القدس الشرقية ومؤسساتها ومكتباتها ووثائقها. وقد أُودعت مجموعات من الكتب والمواد المصادَرة في المكتبة الوطنية الإسرائيلية. تسعى هذه الممارسات إلى الاستيلاء على الذاكرة ومصادر المعرفة، بالتوازي مع السيطرة على الأرض.

الإحلال المكاني ومحو الذاكرة الجغرافية:

يتصل العنف المعرفي بالعنف المكاني اتصالًا وثيقًا، حيث يعمل المشروع الاستعماري على إعادة تعريف الجغرافيا وتغيير دلالاتها التاريخية والثقافية. يتجلى ذلك في تغيير أسماء المدن والقرى والشوارع، وفرض مسميات عبرية على المواقع الفلسطينية، وطمس المعالم المرتبطة بتاريخ السكان الأصليين. تستهدف هذه الممارسات العلاقة بين الإنسان ومكانه، وتسعى إلى إضعاف الروابط التي تصل المجتمع بذاكرته الجغرافية. في القدس، تتخذ هذه السياسات صورة أكثر كثافة، بالنظر إلى مكانة المدينة الدينية والتاريخية.

التعليم تحت الاستهداف: من تقييد المعرفة إلى تعطيل إنتاجها:

تمثل المؤسسات التعليمية أحد أبرز ميادين الصراع على الوعي. في فلسطين، تتنوع معاناة قطاع التعليم ما بين محاولات الكيان فرض المناهج الإسرائيلية أو تشويه المحتوى المتصل بالهوية الوطنية، وصولًا إلى تدمير المدارس والجامعات، وقتل المعلمين والطلبة. بلغ هذا الاستهداف مستويات كارثية في قطاع غزة منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث تعرضت المؤسسات التعليمية لدمار واسع. أما في الضفة الغربية، فتواجه العملية التعليمية عقبات متزايدة ناجمة عن الحواجز العسكرية والإغلاقات والاقتحامات والاعتقالات. وتتعرض المدارس الفلسطينية في القدس لضغوط تتصل بالمناهج والتراخيص والتمويل.

المقاومة المعرفية: استعادة الوعي ومواجهة المحو:

تمتد تداعيات الإبادة المعرفية إلى تشويه الحاضر وتقويض إمكانات المستقبل. تبرز المقاومة المعرفية باعتبارها ضرورة تحررية، لا تقتصر على تفنيد الرواية الصهيونية، بل تشمل بناء منظومة متكاملة لحماية الذاكرة الفلسطينية وصيانة مصادرها. يشمل ذلك توثيق الأرشيفات والمجموعات الخاصة، ورقمنة الوثائق والمخطوطات، وتعزيز البحث العلمي، ودعم المكتبات والمؤسسات الثقافية. في القدس، يتقدم توثيق التراث العمراني والديني، وحماية الرواية التاريخية للمدينة. إن المعركة المعرفية في فلسطين هي معركة على حق الفلسطينيين في أن يكونوا أصحاب روايتهم، وأن يحفظوا تاريخهم، وأن ينقلوا ذاكرتهم إلى أبنائهم. وكل وثيقة تُنقذ، ومكتبة تُرمَّم، ومدرسة تستعيد دورها، تمثل خطوة في مواجهة مشروع المحو.

شارك الخبر: