فلسطين
صحة

أقلام الإنسولين المفقودة: أطفال غزة بين مطرقة المرض وسندان النزوح

فلسطين أون لاين١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٠٠ ص0 مشاهدة
أقلام الإنسولين المفقودة: أطفال غزة بين مطرقة المرض وسندان النزوح

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أقلام الإنسولين المفقودة.. أطفال غزة بين المرض والنزوح | فلسطين أون لاين" نشر أولاً على موقع فلسطين أون لاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يعاني قطاع غزة من نقص حاد وغير مسبوق في أقلام الإنسولين ومستلزمات علاج مرضى السكري، مما يضع حياة الأطفال المصابين بهذا المرض المزمن على المحك، في ظل ظروف الحرب والنزوح القاسية.

تستعرض القصة حالة زاد بركات، الذي لم يكمل شهره الأول حين اكتشفت والدته منال إصابته بالسكري. وبعد سبع سنوات، لم تعد المعركة مقتصرة على ضبط مستوى السكر، بل امتدت للبحث عن أقلام إنسولين صالحة للاستعمال وشرائح لقياس السكر، في ظل حرب أرهقت العائلة وحرمتها مقومات الحياة الأساسية.

تصف منال، البالغة من العمر 42 عاماً، واقعاً جديداً حيث أصبح العلاج الذي يفترض أن يكون متاحاً بصورة منتظمة شحيحاً، وما يتوفر أحياناً لا يصلح للاستخدام. وتتحمل مسؤولية إعالة أطفالها الخمسة وحدها، مع غياب زوجها.

في غزة، تحول مرض السكري من النوع الأول لدى الأطفال إلى اختبار يومي للبقاء، مع نقص الإنسولين وأقلام الحقن وشرائح الفحص، وتدهور الخدمات الصحية، ونزوح العائلات إلى خيام تفتقر لأبسط مقومات الحماية والتخزين الآمن للأدوية.

تشخيص مبكر وصدمة مستمرة

تتذكر منال بداية القصة عندما كان زاد رضيعاً لا يتجاوز عمره 29 يوماً. بعد أيام من تلقيه لقاح الشهر، بدأت حرارته تتقلب، وظهرت عليه علامات التعرق والجفاف. بعد فحوصات في مستشفى النصر بمدينة غزة، تم تشخيصه بالسكري بمستوى سكر مرتفع جداً، مصحوباً بالحماض الكيتوني السكري.

أمضى زاد 12 يوماً في العناية المركزة، ثم تحويله إلى مستشفى الرنتيسي، حيث تعلمت والدته كيفية التعامل مع حالته. لكن سنوات المتابعة اصطدمت بواقع الحرب، حيث اضطرت منال للبحث عن الطعام في ظروف بالغة الخطورة، وتأمين لقمة الخبز أو ملعقة السكر للتعامل مع هبوط السكر لدى طفلها.

تروي أنها اضطرت للذهاب إلى مناطق خطرة لتأمين الطعام، في مخاطرة لم يكن أمامها خيار سهل لتجنبها. ومع شح الإنسولين، استنزفت رحلة البحث عن العلاج ما تبقى لديها من قدرة على الاحتمال. واجهت مشكلة انتهاء صلاحية بعض الأقلام المتاحة، وانعدام شرائح فحص السكر، وعُرضت أقلام منتهية الصلاحية بأسعار مرتفعة.

مريم.. امتحان التوجيهي بجرعات غير مضمونة

على مقربة من هذه المعاناة، تخوض مريم صيدم، 16 عاماً، معركتين متزامنتين: مع السكري الذي تعانيه منذ سن السادسة، ومع الثانوية العامة التي تحدد مستقبلها الدراسي. تقول والدتها لينا صيدم، 43 عاماً، إن حياة ابنتها تغيرت مع الحرب والنزوح إلى خيمة على شاطئ البحر، حيث تفتقر الأسرة لوسائل التبريد المناسبة، وتواجه صعوبة في تأمين الإنسولين الصالح وشرائح قياس السكر.

ارتفع مستوى السكر التراكمي لدى مريم من 7-8 قبل الحرب إلى 14، وسط مخاوف من تداعيات عدم انتظام العلاج. تواجه مريم صعوبة في التوفيق بين الدراسة ومرضها، وتضطر لفحص السكر أكثر من عشر مرات يومياً، بينما لا تستجيب حالتها بصورة فعالة للإنسولين المتاح.

تحصل مريم على الأقلام من المراكز والعيادات الصحية، رغم انتهاء صلاحية بعضها، لعدم وجود بديل. الإنسولين المخلوط لا يناسب حالتها، إذ يسبب لها هبوطاً حاداً ومفاجئاً في مستوى السكر. لا تقف معاناتها عند نقص العلاج؛ فالخيمة لا تحميها من البرد، وتتعرض لمشكلات جلدية مرتبطة بالبعوض وتلوث المياه.

دخلت مريم المستشفى مرات عديدة بسبب اضطراب مستويات السكر ونوبات الحماض الكيتوني، مع انعدام المأوى الملائم. الوصول إلى مجمع ناصر الطبي عند تدهور حالتها ليس سهلاً، وقد تضطر الأسرة للانتظار ساعات لتأمين وسيلة مواصلات.

المستشفى يستقبل المضاعفات

تتجاوز الأزمة حدود العائلات لتصل إلى أقسام المستشفيات، إذ تزداد المخاوف من تداعيات نقص العلاج وعدم انتظام متابعة المرضى. يقول الدكتور أحمد الفرا، مدير مبنى الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي، إن مرضى السكري من النوع الأول يواجهون نقصاً في الإنسولين وأقلام الحقن وشرائح الفحص والمستشعرات.

يستقبل المستشفى حالات تعاني مضاعفات خطيرة نتيجة اضطراب مستويات السكر، من بينها الحماض الكيتوني السكري، الذي يستدعي إدخال المرضى إلى العناية المركزة. نقص الإمكانات يمتد إلى بعض الفحوص الضرورية، ما يزيد صعوبة التعامل مع المرضى في أوضاع صحية متدهورة.

يحذر الفرا من أن الإخلال بالعلاج قد يؤدي إلى مضاعفات تمس الأعصاب وشبكية العين والجهاز المناعي، فضلاً عن تأثيراته في نمو الأطفال وسلوكهم وتحصيلهم الدراسي. ويؤكد أن أقلام الإنسولين ضرورة أساسية للمرضى، متسائلاً عن المبررات التي تحول دون إدخال هذه المستلزمات الطبية إلى القطاع.

في وجود القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال الإمدادات إلى غزة، تصبح استمرارية العلاج واحدة من أكثر التحديات إلحاحاً، لا سيما للأطفال الذين يعتمدون على الإنسولين بصورة يومية.

بالنسبة إلى زاد ومريم وآلاف المرضى، لا يمثل الإنسولين دواءً إضافياً، بل ركناً أساسياً للحفاظ على الحياة. وبين أقلام تنفد، وشرائح تغيب، وخيام لا توفر ظروف التخزين المناسبة، تواصل الأمهات حمل عبء لا ينبغي أن يتحملنه وحدهن، فيما يحاول الأطفال التمسك بحقهم في النمو والتعلم والحياة.

شارك الخبر: