تنويه
هذا الخبر بعنوان "حين لا نستطيع أن نحزن.. الحداد المؤجل بعد الحرب | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الأوقات العادية، نمنح أنفسنا وقتًا للحزن عند فقدان عزيز، نستعيد الذكريات ونستقبل التعازي. لكن ماذا يحدث عندما يقع الفقد وسط لهيب الحرب؟ حين نفقد شخصًا عزيزًا بينما نبحث عن الأمان، أو نخسر منزلنا دون وداع، أو تتوالى أخبار الوفيات فلا نجد فرصة للحزن على من رحل قبل أن نفقد آخر؟ هنا يبرز مفهوم "الحداد المؤجل"، حيث تضطر النفس لتأجيل حزنها لأن البقاء يصبح الأولوية القصوى. في هذه الظروف، يصبح البقاء أهم من الحزن، فالحزن يحتاج إلى مساحة، والحرب لا تمنحها.
قد يفقد الإنسان عزيزًا، ثم يجد نفسه مضطرًا للبحث عن الطعام، وحماية أطفاله، ونقل مريض، وتأمين مكان للنوم. في هذه اللحظات، قد تؤجل النفس مواجهة الفقد، ليس لأنها لا تتألم، بل لأنها تحاول حمايتنا من الانهيار في وقت لا يسمح لنا بالتوقف. وكأنها تقول: "سأحزن لاحقًا، الآن علينا أن ننجو". لذلك، قد تمر أسابيع أو أشهر، وربما سنوات، قبل أن تنفتح أبواب الحزن فجأة، بفعل صورة أو أغنية أو رائحة مألوفة أو ذكرى عابرة. وقد يظن الإنسان أنه أصبح أضعف، في حين ربما لم يبدأ حزنه الآن، بل وجد أخيرًا مساحة للظهور.
لا يقتصر الحزن في الحرب على فقدان الأشخاص والأحباء فحسب، بل يمتد ليشمل فقدان البيوت والأحياء والأعمال وتفاصيل الحياة، وأحيانًا فقدان صورة المستقبل الذي حلمنا به. لذلك، فإن الحداد في المجتمعات التي عاشت حربًا طويلة لا يقتصر على الموتى، بل يمتد إلى كل ما تغيّر ولن يعود كما كان.
الأطفال أيضًا يحزنون، وإن لم يمتلكوا الكلمات المناسبة. فقد يصبح الطفل أكثر تعلقًا بأمه، أو يخاف النوم وحده، أو يعود إلى سلوكيات تجاوزها، أو يكرر أسئلته عن الغائب. وقد تكون هذه السلوكيات لغة حزن لا يستطيع التعبير عنها. وربما يحتاج الطفل إلى أن يسمع: "أعرف أنك تشتاق إليه"، أكثر من حاجته إلى اللوم أو الاستجواب.
لا تستعجلوا الحزن. قد يطلب المحيطون بالمفجوع منه أن يكون قويًا، وأن يصبر، وأن يعود سريعًا إلى حياته. ورغم حسن النية، فإن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن يُسمح له بالبكاء، وأن يتحدث عن فقيده، ويذكر اسمه، ويستعيد مواقفه، ويحتفظ بذكرياته بالطريقة التي تريحه. فالتعافي لا يعني النسيان، ولا يتطلب تجاوز من أحببناهم، بل أن نتعلم كيف نحمل ذكراهم دون أن يمنعنا الألم من مواصلة الحياة.
في المجتمعات التي شهدت فقدًا واسعًا، نحتاج أيضًا إلى مساحة جماعية للحزن؛ نحفظ فيها أسماء الراحلين، ونروي حكاياتهم، ونكرّم ذكراهم، ونعترف بحجم ما فقدناه. فالاعتراف بالفقد جزء من التعافي.
الصمود لا يعني إخفاء الألم. ربما نحتاج في غزة إلى إعادة تعريف الصمود؛ فهو لا يعني ابتلاع الدموع أو التظاهر بأننا بخير طوال الوقت. قد يكون الصمود أن نعترف بأننا فقدنا، وأننا نحزن، وأننا نحتاج إلى من يقف بجانبنا. وهذا ليس ضعفًا، بل إنسانية.
هناك أناس لم يأخذوا حقهم في الحزن بعد، لا لأنهم نسوا أحباءهم، بل لأن الحرب لم تمنحهم فرصة لذلك. وحين تهدأ أصوات القصف، قد ترتفع أصوات الذاكرة والاشتياق والأسئلة المؤجلة. عندها، لا ينبغي أن نخاف من الحزن، بل أن نفهمه ونمنحه مساحته. فربما لا يكون التعافي في إغلاق أبواب الماضي، بل في تعلم فتحها دون أن يسقطنا ما وراءها. فالذين فقدناهم لا يحتاجون منا أن نموت معهم، بل أن نحيا بما يليق بالحب الذي تركوه فينا.
أخبار ذات صلة
صحةغزة على حافة المجاعة: 1.4 مليون فلسطيني يواجهون انعدام الأمن الغذائي الكارثي
ثقافةالحداد المؤجل: كيف نتعامل مع الحزن في ظل الحرب؟
منوعاتفوهة "أوركزيز" الجزائرية: جدل علمي حول عمرها بين 10 آلاف و70 مليون سنة
سياسة
